د.أحمد عزيز عزت.. أستاذ مساعد في الهندسة الصناعية والنظم في جامعة روتجرز الأمريكية، وقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة تكساس ويتمتع بخبرة بحثية في تطبيق علوم البيانات والذكاء الاصطناعي وطرق بحوث العمليات لأنظمة طاقة الرياح، وهو يقود العديد من مشاريع الأبحاث حول تحسين التنبؤ وتشغيل مزارع طاقة الرياح البحرية بتمويل من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية ووزارة الطاقة الأمريكية وولاية نيوجيرسي، تفاصيل كثير عن الرحلة العلمية لهذا الباحث المصري نتوقف معها في الحوار التالي.
البداية
يقول د.أحمد عزيز " ولدت ونشأت في مدينة الإسكندرية وتعلم مدرسة كلية سان مارك الفرنسية في حي الشاطبي، كنت محظوظًا بتلقي تعليم عالي الجودة كان له تأثير في تشكيل فضولي واهتمامي بالعلوم، عدد قليل من الناس في العالم يحصلون على فرصة التعليم في فصل دراسي يطل على البحر ، ذكريات لا تنسي، لقد حافظت على درجات عالية باستمرار طوال تعليمي قبل الكلية في الرياضيات والإحصاء والعلوم، كما مارست الكثير من الألعاب الرياضية في أثناء نشأتي ، كرة القدم والكرة الطائرة ومثلت نادي الإسكندرية الرياضي في العديد من البطولات ، ولم أترك الرياضة إلا عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه، وكان لعائلتي تأثير كبير على تربيتي، كنا ثلاثة أشقاء (أختان وأنا) كرست والدتي حياتها لتربيتنا ، في حين كان والدي، أستاذ الهندسة، قدوة لنا، وأكبر دليل علي تأثيرهم علينا مسيرتنا حالياً .. فشقيقتي الكبرى أستاذة طب الأسنان والصحة العامة في كندا، والثانية تعمل أستاذة للفنون والدراما وسيدة أعمال في مصر، بينما أنا قررت دراسة الهندسة والتي اخترتها بسبب درجاتي العالية في الرياضيات والإحصاء في الثانوية العامة.
مجموع 102.5 %
يواصل د.أحمد حكايته قائلاً : رغم أن جامعة الإسكندرية كانت قريبة من بيتي لكنني قررت الالتحاق بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا بعد الحصول على منحة دراسية كاملة .. فقد حصلت علي مجموع 98.5٪ + 4٪ إضافية للتفوق الرياضي)، شعرت أنني أريد دراسة الهندسة، لكنني لم أشعر بالانجذاب الطبيعي إلى مجالاتها الكلاسيكية مثل الميكانيكا أو الكهرباء، فتعرفت على الهندسة الصناعية والأنظمة وأعجبت بكيفية كونها مجالًا كميًا للغاية، ومع ذلك يمكن تطبيقه على نطاق واسع، مع التركيز على تحسين أنظمة الهندسة من خلال النمذجة الرياضية ونظرية الاحتمالات ، وفي سنتي الأخيرة بالكلية، ركز مشروع تخرجي على نمذجة وتحسين نظام المرور في التقاطعات الرئيسية في الإسكندرية، لقد التزمنا بالمنهج العلمي من قراءة الأوراق البحثية والمراجع، إلى تصميم التجارب وجمع البيانات، إلى صياغة النماذج والحلول الرياضية. أتذكر الأيام والليالي التي قضيناها في شوارع الإسكندرية مع ساعات التوقف والأوراق لتسجيل أوقات الوصول، ومراقبة أنماط المرور، ثم العودة إلى المنزل لاستنتاج التوزيعات الإحصائية من البيانات المجمعة، وبتوجيه من أساتذتي، نشرت ورقتين في مؤتمرات دولية من درجة البكالوريوس، حصلت إحداهما على جائزة أفضل ورقة بحثية للطلاب، وفي ذلك الوقت، بدأت في التقدم بطلب للحصول على منحة دكتوراه في الخارج ، وتم تعييني كأستاذ مساعد في قسم الهندسة الصناعية لمتابعة أطروحة الماجستير حول نفس الموضوع، وتقدمت بشكل أساسي إلى برامج الدكتوراه في الولايات المتحدة وكندا، وحصلت على منحة كريمة للغاية من جامعة تكساس إيه آند إم التي تضم أحد أفضل أقسام الهندسة الصناعية في الولايات المتحدة، لذلك، قررت أن أبدأ الدكتوراه، مع الاستمرار في متابعة أطروحة الماجستير في نفس الوقت، عدت إلى مصر بعد عام لمناقشة الماجستير ثم تزوجت خلال 3 أيامثم عدت لمتابعة الدكتوراه بأمريكا.
هوليوود !
يقول د.أحمد أنه مثل كثيرين ، سافر إلى الولايات المتحدة وهو يتخيلها مثل "هوليوود" ، ولكنه وصل ليلة ثلاثاء إلى بلدة جامعية في وسط تكساس وصفها بـ " بلدة أشباح " ، لا يوجد أحد لأن معظم الطلاب يغادرون خلال الصيف، وكانت أضواء الشوارع مطفأة ، يضيف : كانت الأشهر الأولى صعبة ، حضرت إلى الولايات المتحدة وعمري 23 سنة تاركًا ورائي حياة مليئة وثرية بالصداقات والأنشطة والذكريات، كان علي أن أبدأ من الصفر، وكان التكيف مع النظام الأكاديمي هناك تحديًا في البداية، فبرامج الدكتوراه في أفضل الجامعات الأمريكية صارمة للغاية، زملاؤك في الدراسة هم طلاب متفوقون في مجالاتهم من كل دولة في العالم ،الصين والهند وكوريا وأوروبا، في السنة الأولى، كان الأمر يتعلق أكثر بـ "البقاء" في هذا العالم التنافسي للغاية، بعد ذلك، توليت زمام القيادة، وتفوقت في دوراتي، وركزت على أطروحتي البحثية، كان مستشاري البروفيسور يو دينج رائعًا، قدمني إلى مجال طاقة الرياح ونشرنا معًا العديد من الأوراق عالية الجودة حول تحسين أداء وتشغيل مزارع الرياح، والتي مهدت الطريق لمسيرتي الأكاديمية في جامعة روتجرز بعد ذلك ، فهي تضم واحدة من أفضل كليات الهندسة وثامن أقدم كلية في الولايات المتحدة (تأسست عام 1766، قبل تأسيس الولايات المتحدة نفسها)، وبدأت الجامعة في الاستثمار في برنامج الطاقة المتجددة وطاقة الرياح، وكان يضم قسم الهندسة الصناعية في الجامعة علماء مشهورين في مجال النمذجة الرياضية وهندسة الجودة وعلوم البيانات، وبالمناسبة ، تضم ولاية نيوجيرسي عددًا كبيرًا من السكان المصريين.
طاقة الرياح
د. أحمد عزيز عزت حصل على جوائز علمية وبحثية في مجال طاقة الرياح، ولكن ..لماذا تخصص في هذا المجال خاصة وأننا في مصر نرى فصلًا واضحًا بين التخصصات، لكن موضوعًا مثل طاقة الرياح يمزج الهندسة بعلوم الأرض والبيئة، والفيزياء بالفلك وغيرها؟ يقول : التحدي الكبير في توليد طاقة الرياح هو موثوقيتها كمصدر للطاقة ، لكن اعتمادها على الطقس يجعل تشغيلها أكثر صعوبة من مولدات الوقود الأحفوري التقليدية، فالرياح هي الوعد والتحدي.. فالرياح الأقوى تساوي المزيد من الطاقة، لكنها أيضًا المصدر الرئيسي للحمل الهيكلي على مكونات توربينات الرياح، ووجدت أنه من المثير للاهتمام للغاية تطبيق مفاهيم وطرق الهندسة الصناعية في هندسة الجودة وعلوم البيانات لجعل طاقة الرياح بأسعار معقولة، كما قادني تخصصي في طاقة الرياح إلى مجالات لم أكن لأتصور قط أنني سأستكشفها.. فأنا أتعاون مع علماء ومؤسسات في مجال الأرصاد الجوية وعلم المحيطات والعلوم البيئية والبيئة لدراسة وتحسين أنظمة طاقة الرياح ، وهناك اتجاه عالمي الآن نحو تركيب توربينات الرياح في البحر .. حيث تكون الرياح أقوى وأكثر ثباتًا بشكل ملحوظ، أي " مزارع الرياح البحرية" ، على سبيل المثال، لدى الولايات المتحدة خطة طموحة للغاية لتثبيت 30 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2030 ، ومع ذلك، من أجل تشغيل مزارع طاقة الرياح على النحو الأمثل، بما في ذلك تلك الموجودة في الخارج، فإن التنبؤات الدقيقة بكمية الطاقة المتوقعة أمر بالغ الأهمية. وذلك لأن مشغلي أنظمة الطاقة يحتاجون إليها لضمان وجود إمدادات كافية من الكهرباء لتلبية الطلب في جميع الأوقات، وأحد أهم محاور البحث في مجموعتي في جامعة روتجرز هو الاستفادة من التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل التنبؤ بشكل أفضل بإنتاج الطاقة من توربينات الرياح البحرية ، لقد كان هذا هو محور مشروعنا البحثي الأخير الذي تم تمويله من قبل اتحاد الرياح البحرية الوطني الأمريكي ووزارة الطاقة الأمريكية.
المزارع البحرية
د.أحمد عزيز عزت حصل على جائزةA. Walter Tysonمن جامعة روتجرز، وجائزتي تدريس وطنيتين من معهد مهندسي الصناعة والنظم (IISE) في بحوث العمليات لعام 2024 ، ويشغل حاليًا منصب رئيس قسم أنظمة الطاقة في جامعة روتجرز، ولديه أنشطة بحثية مع جامعات فرجينيا للتكنولوجيا وواشنطن وجورجيا للتكنولوجيا وبيتسبرج وويسكونسن ماديسون وغيرها ، وهو يرى أن الاستثمار في مصدر الطاقة المتجددة المناسب يعتمد على الموقع الجغرافي وتغيرات الطقس، ويضيف : على سبيل المثال، قد تهب الرياح في أوقات لا تكون فيها الشمس ساطعة، والعكس صحيح، هناك الكثير من الدراسات العلمية حول كيفية تحديد أفضل مزيج لتوليد الكهرباء بشكل مثالي، مع مراعاة العديد من العوامل مثل أنماط الطقس التاريخية، وتكلفة توليد ونقل الكهرباء، فضلاً عن متطلبات التشغيل والصيانة للمولدات والمكونات الرئيسية، وفي مصر.. طاقة الرياح قادرة فعلاً على حل مشكلة مثل أزمة انقطاع التيار الكهربائي، فمصر بشواطئها وصحاريها مؤهلة لأن تصبح مركزا مهما لإنتاج الطاقة من الرياح بمعدلات مرتفعة ، حيث تتمتع مصر علي ساحل البحر الأحمر بأحد أفضل الظروف الجوية لتوليد طاقة الرياح في العالم، ولدى مصر خطة طموحة لتوسيع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء لديها، بما في ذلك أسطول طاقة الرياح، وسيتطلب تحقيق هذه الخطة حوافز لمستثمري طاقة الرياح لتطوير المزيد من مزارع طاقة الرياح وتسهيل دمجها في الشبكة القومية للكهرباء، وستكون هناك حاجة أيضا إلى دراسات علمية لإعلام القرارات المستقبلية بشأن بعض مزارع الرياح القائمة في مصر، والتي كانت في الخدمة لأكثر من 20 عاما (منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين). ولدينا مشروع جار مع جامعة عين شمس لدراسة هذا الجانب، فقد شهد العقدان الماضيان تقدماً هائلاً في تكنولوجيا ومعرفة توليد طاقة الرياح. وقد أدى هذا إلى جعل تكلفة توليد طاقة الرياح مساوية لتكلفة مولدات الوقود الأحفوري، وإذا أخذنا في الاعتبار الفوائد البيئية والاستثمارات الاقتصادية التي تجلبها، فإن طاقة الرياح ستصبح الفائز الواضح، وهذا صحيح بشكل خاص بالنظر إلى الزيادة في حجم وقدرات توربينات الرياح. تتمتع توربينات الرياح الحديثة بقدرات تعادل ما أنتجته مزرعة رياح كاملة في أوائل التسعينيات.
طواحين الهواء
سألت د. أحمد : هل يستطيع الناس العاديون أيضاً إنتاج الطاقة من الرياح بواسطة طواحين هواء صغيرة؟ أجاب : طواحين الهواء الصغيرة، وخاصة تلك ذات المحور الرأسي، تبرز كمصدر محتمل لتوليد الطاقة على نطاق صغير (على سبيل المثال، المناطق السكنية والشبكات الصغيرة)، ولكن من الأجدى اقتصاديا حاليا توليد طاقة الرياح على نطاق أوسع خاصة مع الأخذ في الاعتبار التصميم الهندسي الحالي لتوربينات الرياح الأكبر والأطول ، بينما الطاقة الشمسية فإن وحدات السطح الأصغر حجما إذا تم التخطيط لها بعناية وتوصيلها بالشبكة يمكنها أن توفر دعماً إضافياً لنظام الكهرباء خاصة في أوقات الذروة أو ندرة إمدادات الكهرباء ، وهنا أشير لنقطة مهمة .. فالعلوم التنبؤية شهدت تطورا كبيرا مع النمو الهائل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ، ونحن نقوم بتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تساعد في التنبؤ بشكل أفضل بإخراج الطاقة من توربينات الرياح، وتوقع وإنذار المهندسين في الموقع بشأن الأعطال القادمة، والمساعدة في اتخاذ القرارات التشغيلية لمزارع الرياح ، وفي الآونة الأخيرة نستكشف استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التنبؤ بتفاعل توربينات الرياح مع أنظمتها البيئية (الطيور المهاجرة والثدييات البحرية)، وكيفية تشغيل مزارع الرياح بطريقة فعالة من حيث التكلفة.