غالباً طالب الثانوية العامة هذه الأيام ينحصر حلمه إما في مجرد النجاح لدخول الجامعة ، أو الحصول على مجموع كبير للالتحاق بكلية محددة يتمناها ، لكن أن يتطور حلمه لأن يصبح متفوقاً في كليته ويحصل علي الماجستير والدكتوراه ويسافر للعمل مع مثله الأعلى في أكبر جامعة بالعالم .. فهو بالتأكيد يتمتع بخيال واسع، لكن مع الاجتهاد وتطوير الذات والتصميم على النجاح.. هنا تحدث المعجزة ويتحقق الحلم في غضون 8 سنوات فقط ، كلامنا عن العالم المصري الشاب د. أحمد سليمان الذي كان أول مصري وعربي يسافر إلي القطب الجنوبي في مهمة بحثية، كما إنه عضو الفريق البحثي بجامعة كالتك المصنفة الأولى عالمياً في العلوم والتي عمل فيها لنحو عام ونصف مع عالم نوبل الراحل د. أحمد زويل، كما إنه باحث في وكالة ناسا ويتواجد حالياً داخل غرفة التحكم في كوكب الأرض.
رحلة د. أحمد سليمان بدأت من مدينة بهتيم في شبرا الخيمة حيث ولد وعاش معظم حياته ، يقول : ولدت وسط أسرة مستورة الحال لها الفضل في كل ما وصلت له ، فخور جداً بوالدي الذي أعتبره بطل حياتي ، منذ صغري علمني أهمية صلاة الفجر في جماعة كل يوم بالمسجد ، وتعلمت منه قيماً ومبادئ أعيش بها، فهو كان مفتش تموين وعاش عمره كله شريفاً لا يقبل جنيهاً واحداً حراماً رغم المغريات التي كان يتعرض لها ، ولكي يستطيع تغطية مصاريف أولاده بالحلال كان يعمل بعد الظهر في ورشة ، ومازلت أشعر بالبركة في حياتي لأن والدي " رباني بالحلال " كما يقولون ، وأمي سيدة مصرية بسيطة جداً وأصيلة عرفت كيف تحافظ علي بيتها مهما كانت الظروف صعبة ، وكان تعليمي بسيطاً في مدارس حكومية ولكنني فخوراً بهذا .
د.أحمد كان يحب العلوم منذ صغره ، وخاصة الهندسة ، وحصل بالفعل علي مجموع كبير في الثانوية العامة وكان يتمني الالتحاق بهندسة الكهرباء بجامعة عين شمس ، لكن بسبب الحيز السكني لم يكن أمامي سوى كلية هندسة شبرا ، يقول : كان حلمي أن أضيف شيئاً للعلم وليس مجرد وظيفة ،ومنذ صغري كنت أضع أمامي مثلاً أعلى وهو الدكتور أحمد زويل ، كان ومازال أسطورة بالنسبة لي ، وبعد تخرجي في الجامعة عام 2009 بتفوق بدأ يتبلور عندي الحلم القديم وهو أن أصبح في يوم ما عالماً كبيراً ، وهذا كان يعني تواجدي في واحدة من أكبر جامعات العالم ، وكنت دائماً أشاهد نجماً في السماء بعيداً عني متمثلاً في جامعة كالتك الأمريكية والتي كان يعمل بها د. زويل ودائماً ما تحدث عنها ، فهي رقم 1 عالمياً ولا يعمل بها إلا النابغون ، لكنني بدأت بمراسلة جامعات أقل لكي أكمل بها دراساتي العليا لأن احتمالية قبولي أكبر من كالتك ، وتم رفضي عدة مرات ومازلت أحتفظ بهذه الرسائل ، لم أيأس .. بالعكس تعلمت الكثير من خطابات الرفض هذه لتطوير نفسي ، وفي 2011 شاهدت فيديو للدكتور أحمد زويل وهو يحصل علي جائزةTop American Leadersوقال في كلمته إنه عندما جاء لأمريكا كان لا يعرف التحدث بالانجليزية لدرجة إنه لم يكن يفرق بينDesertوهي صحراء وDessertأي حلوى ، والآن أصبح من أهم الشخصيات في أمريكا ، هكذا كان حالي فعلاً .. وشعرت بأن المشوار صعب ولكنه ممكن ، فهذه الصعوبات تصنع منك شخصية لديها إرادة من الصعب كسرها ، والثقة بالنفس تأتي بالفعل والعمل وليس الكلام فقط ، نعم وقتها إمكاناتي كانت صفراً بالنسبة لأحلامي ، لا شيء يصقل سيرتي الذاتية يجعل المسئولين في أكبر جامعة بالعالم ينظرون لي .. لا أتقن الإنجليزية وتعليم بسيط ، وحتي كلية هندسة شبرا وقتها لم يكن لها موقع على الإنترنت .. وبالتالي أبسط شيء لم تكن هناك وسيلة ليتأكدوا من شهادتي التي قدمتها أو طبيعة التعليم الذي حصلت عليه ، كما أن كالتك لديها متطلبات معينة في طبيعة العلوم التي تشترط أن يكون الباحث قد درسها ، ولذلك رفضوني بالطبع .
د. أحمد سليمان قرر تأجيل حلمه حتى يصبح في مستواه ، وظل 5 سنوات متتالية يقطع خطوات مهمة في طريق تحقيق هذا الحلم ، وحصل علي الماجستير من جامعة عين شمس في 2014 بجانب تطوير مهاراته في اللغة الإنجليزية، كما نشر 12 بحثاً علمياً في الدوريات الهندسية الدولية ، يضيف قائلاً : تشجعت وقدمت للمرة الثانية لجامعة كالتك ، وكانت أجمل مفاجأة في حياتي عندما تم قبولي ، وبعثت برسالة للدكتور زويل أعرفه بنفسي وبأنني قبلت بالجامعة التي يعمل بها ، وكان سعيداً جداً وطلب مني مقابلته بعدما أصل لأمريكا ، وفي اليوم الذي جلست فيه أمامه بمكتبه بدأت أشعر وكأن الضوء بدأ ينير طريقي لتحقيق الحلم ، صعب أصف شعوري يومها خاصة وأنه بالفعل كان عظيماً رحمه الله , فعلاً .. الناس موتى وأهل العلم أحياء .
صحيح أن هناك ضوءً بدأ يظهر في بداية الطريق .. لكن الحياة لم تكن وردية في البدايات ، بالعكس كانت هناك صعوبات كادت تنهي المشوار ، يقول د. أحمد سليمان : بدون مبالغة.. عندما وصلت إلى هناك كنت قياساً بأعظم العلماء الذين شاهدتهم في كالتك " لاشيء " ، حرفيا كنت أقف عند نقطة الصفر ، فهذه الجامعة خرج منها 32 عالماً فازوا بجائزة نوبل من بينهم د. أحمد زويل والذي بدأ العمل فيها منذ عام 1976 وحتى وفاته في 2016 ، وبخلاف صعوبة اللغة في البداية كنت لا استطيع فهم الدكاترة ، فالتعليم كان مختلفاً جداً ، كنت أنتظر الدكتور زويل بعد المعمل وأقول له بالنص " يا دكتور أنا مش عارف أي حاجة خالص " ، وكان يطالبني بالصبر ويؤكد لي أنني محظوظ لأنني بدأت مشواري العلمي في جامعة كالتك ، فهو حصل علي الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا ، وحسبما روي لي فإنه عندما ألتحق بالعمل في كالتك ورغم أنه عاش قبلها 7 سنوات بأمريكا وحصل على الدكتوراه .. لكنه كان يشعر بأنه " صغير " قياساً بمستوى العلماء حوله ، وكان يفكر في العودة لمصر قبل أن يقابل هناك عالماً كبيراً وهو لينوس باولنج والذي حصل علي جائزة نوبل مرتين واحدة في الكيمياء والأخرى في السلام ، وأقنعه بأن يصبر لأنه في مكان سيتيح له خدمة البشرية ، وهو ما حدث بالفعل ، وبالتالي تخيل أن شاباً مثلي يستمع لهذا الكلام من عالم بحجم د. زويل ، ونصحني بالحضور الدائم مع الطلاب والتواصل معهم والاهتمام بكل تفاصيل الأبحاث ، والمسألة بالمناسبة لا علاقة لها بدرجة الفهم أو مستوى التحصيل العلمي ، لكنهم هناك يفهموا المواد والمصطلحات العلمية بطريقة مختلفة بسبب طريقة التعليم نفسها ، مثلاً .. عمرك سألت نفسك لماذا يحصل العالم الفلاني علي نوبل في الفيزياء مثلا ؟ ببساطة شديدة .. هم يدرسوا أساسيات المواد نفسها ويقومون بالتغيير فيها وقد يتوصلوا لحقائق عظيمة تغير مسار العلوم ، بينما الطبيعي أننا ندرس بطريقة أن الأساسيات هذه ثابتة وعلينا حفظ المعادلات التي تؤكدها فقط .
توقفت مع د. أحمد سليمان كثيراً عند العشرين شهراً الأخيرة في حياة د. زويل والتي كان يلازمه فيها ، وسألته : وأنت مازلت طالباً صغيراً بالثانوية العامة ومثلك الأعلى هو د. أحمد زويل .. هل تخيلت ليس فقط أن تقابله في يوم ما .. بل وأيضاً تعمل في نفس الجامعة ؟ أجاب بهدوء : ربما تندهش لو قلت لك : نعم ! كنت أتخيل ذلك ، فهو كان مثلي الأعلي وأنا كان لدي يقين بالله بأنني سأحقق حلمي وأعمل في أكبر جامعة بالعالم ، ولذلك كثيراً ما تخيلت نفسي أعمل معه ، ورحمه الله كان يقول لي إنني أذكره بنفسه وهو صغير لأنه واجهته الصعوبات نفسها التي كنت أطلب منه المساعدة لتخطيها ، لا أقصد المقارنة طبعاً فأنا بالنسبة لعلمه مازلت صغيراً لكني أقصد البيئة المشتركة .. سواء تلك الخاصة بمراحل التعليم في مصر أو بالمراحل التي مر بها في بدايات حياته بأمريكا ، أيضاً د. زويل كان له أثر علمي كبير لأنني خريج هندسة بينما هو عالم كيمياء ، وبعد نشر أول مقال لي في مجلة علمية كنت سعيداً جداً ، والمقال كان عن بحث خاص بتصميمات هندسية وفاز بالجائزة الثانية في مؤتمر علمي بكوريا الجنوبية ، ورغم تهنئته لي لكنه قال لي " فين العلم وراء الكلام ده ؟ " ، فقلت له أن حضرتك تتحدث من خلفية كونك عالماً كبيراً ولكنني متخصص في الهندسة ومازلت باحثاً ، فطلب مني تفسير المعلومات الفيزيائية الداعمة لهذا العمل، لا تقول إن هذه الحقيقة بناء علي نظرية معينة .. بل اثبت بنفسك هذه النظرية أولاً، وهو الأمر الذى جعلنى أدرس 21 مقرراً فى الفيزياء والهندسة لم يسبق لى أن درستهم من قبل لمدة عامين ، وهو ما أهلنى لأبدأ رسالة الدكتوراه فى مجال الفيزياء التطبيقية ، فمن خلال كلام د. زويل أدركت معنى الإضافة العلمية الحقيقية لأنني لا أقوم بأبحاث روتينية من أجل ترقية مثلا ، وغيرت تفكيري تماماً في رسالة الدكتوراه وكانت النتيجة رائعة والحمد لله ، كان نفسي يكون علي قيد الحياة يومها ليشاهد بنفسه هذا الأثر الكبير الذي تركه.
د. أحمد سليمان نشر على صفحته الخاصة صورة التقطها لمكتب د. زويل بجامعة كالتك في يوم وفاته،يروي قصتها قائلاً : كنت دائماً أمر من أمام مكتبه رغم أنه في مبني مختلف ، فهو في مبني خاص بالكيمياء بينما أنا في مبني مقابل للهندسة ، ومكتبه كان مميزاً جداً لأنك بمجرد الاقتراب منه كنت تسمع صوت أغينات أم كلثوم واضحاً يسمعه الواقفون بالخارج ، كان لا يسمع غيرها .. ويسمعها طوال الوقت ، وفي يوم وفاته 2 أغسطس 2016 ذهبت للوقوف أمام مكتبه .. وكانت أول مرة لا أسمع فيها صوت أم كلثوم منساباً في المكان ، ووجدت جاكيت بدلته معلقاً كما تركه آخر مرة ، وقتها رغم مرور فترة علي وجودي بأمريكا واعتيادي على الأمور وانتهاء الكثير من الصعاب .. فجأة شعرت وكأنني وحيد ، وبالمناسبة .. في الجامعة مازالوا محتفظين بمكتبه كما هو بكل محتوياته .
وبعد وفاة د. زويل بعام واحد حصل د. أحمد سليمان على ماجستير ثان فى العلوم والهندسة من جامعة كالتك ، ثم بدأ نشاطه العلمي يتطور بسرعة حتى أصبح أول مصري و عربي يسافر إلي القطب الجنوبي في مهمة بحثية ، يتذكر هذه الرحلة المدهشة قائلاً : شاركت في مشروع "البحث عن نشأة الكون" مع وكالة ناسا الأميركية لعلوم الفضاء بالتعاون مع 4 جامعات مختلفة ضمن فريق عمل يضم 60 باحثاً من جنسيات مختلفة ، وقد حصلت على " ميدالية الولايات المتحدة " من مركز البحوث الأميركي بالتعاون مع وزارة الدفاع الأميركية نتيجةً للأبحاث الخاصة بمجال الجاذبية الأرضية في القطب الجنوبي ، كما قمت بمشروع بحثي حول تليسكوب لرصد اللحظات الأولى في علم الكون وبداية الزمن في القطب الجنوبي ، ومن خلال هذا التليسكوب حاولنا رصد اللحظات الأولي للكون بعد الانفجار العظيم قبل ما يقرب من 14 مليار سنة ، وتجربتنا هي الأدق في العالم من خلال النشرات التي نقوم بنشرها في المجلات العلمية العالمية ، وبالطبع كانت تجربة لا تنسي .. فكرة أن تعيش في مكان بلا ليل .. النهار 24 ساعة والشمس لا تغيب ، نقص في الأكسجين بسبب درجة البرودة القاتلة والتي تصل إلى 59 درجة تحت الصفر ، وكنت العربي الوحيد في هذه المهمة ، وبقدر هذه الصعوبة كانت تجربة ممتعة جداً ، ويكفي أنني رفعت علم مصر ، وكنت أصلي داخل الخيمة التي نصبتها فى القطب الجنوبي وأنا ممتن لله سبحانه وتعالي لأنه جعلني أسجد له فى هذا المكان .
ومرت سنوات .. وفي 2023 تحققت تفاصيل أكثر من الحلم ، د. أحمد سليمان لم يحصل فقط علي الدكتوراه بدرجة متميزة ، ولكن يكفي أن لجنة المناقشة كانت تتكون من علماء من جامعة كالتك ومختبر الدفع الصاروخى بوكالة ناسا .. بجانب أستاذ الفيزياء بارى باريش الحاصل على جائزة نوبل لعام 2017 ، يقول : أنا سافرت وعندي أهداف واضحة أريد تحقيقها ، والحمد لله بحسن التوكل على الله والاجتهاد والسعي ربنا وفقني ، وبقدر سعادتي بحصولي علي الدكتوراه .. كانت فرحتي الكبيرة لأنني لم أخيب رجاء أسرتي ، فقد نجحت بالإصرار والتعب والعمل الدائم في تحقيق حلمي الذي أعتبره البعض مستحيلاً ، ولن أنسي صوت الزغاريد الذي سمعته عندما أبلغتهم في مصر بالخبر ، فأناواجهت تحديات كثيرة أقول لها اليوم " شكراً " لأنها علمتني أشياء لا تقدر بثمن ، وبالمناسبة .. كلما تمعنت أكثر في أكثر علوم الأرض تعقداً ، ستتأكد أن التوكل على الله هو كلمة السر دائماً .
واكتمالاً للحلم .. أنتقل د. أحمد سليمان مؤخراً لمكتبه الجديد كدكتور مهندس وباحث بمختبر الدفع الصاروخىJPLبوكالة ناسا ، بجانب عمله كأستاذ زائر في جامعة كالتك ، وقد كان في زيارة سريعة لمصر مؤخراً ، وأقامت له كليته هندسة شبراحفل تكريم ،وأبدي خلاله استعداده للتواصل مع وكالة الفضاء المصرية والمراصد الفلكية بمصر للمساهمة في تطوير العمل والاستفادة من تجربته في وكالة ناسا ، ومنذ أيام نشر صورة له وهو يعمل في غرفه التحكم بمختبر وكالة ناسا والتي يطلقون عليها "مركز الكون" لأنها تتواصل مع كل المهمات العلمية فى الفضاء ، والطريف أنه كما كان الأستاذ أحمد زويل يحتفظ بعادة العمل في أدق الأبحاث العلمية على صوت أم كلثوم ، كذلك التلميذ لديه عادة منذ سنوات طويلة لم يغيرها ، يقول د. أحمد سليمان : عندما أجلس في مكتبي لمراجعة أبحاثي أو مهام عملي اليومية اعتدت علي طقس الاستماع لابتهالات الشيخ نصر الدين طوبار ، أنا أحبه جداً ودائماً ما أبحث عنه في إذاعة القرآن الكريم ، فصوت يمس ذكريات كثيرة في الروح لا تتغير ، وسواء كنت في مصر أو في كالتك أو ناسا أو أي مكان في العالم .. قليل من القهوة مع صوت المبتهل العظيم نصر الدين طوبار ثم أبدأ العمل ، ومن توكل على الله كفاه .