عقول مهاجرة

د. نورهان الباحثة بمعهد ماساتشوستس: لا تعارض بين شغفي بالعلم وحفلاتي الموسيقية

بالصدفة توقفت أمام الاسم في أحد المواقع الموسيقية الأمريكية.. نورهان بيومي، الملامح كذلك كانت تبدو شرقية.. وبمزيد من البحث كانت المفاجأة، فهي شابة مصرية لها نشاط فني مميز في الولايات المتحدة.. لكن الغريب أن الموسيقي ليست...

د. نورهان الباحثة بمعهد ماساتشوستس: لا تعارض بين شغفي بالعلم وحفلاتي الموسيقية

بالصدفة توقفت أمام الاسم في أحد المواقع الموسيقية الأمريكية.. نورهان بيومي، الملامح كذلك كانت تبدو شرقية.. وبمزيد من البحث كانت المفاجأة، فهي شابة مصرية لها نشاط فني مميز في الولايات المتحدة.. لكن الغريب أن الموسيقي ليست عملها الأصلي، فهي باحثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجياMITوالذي أكبر المؤسسات العلمية في العالم.. وهو في صدارة التصنيف الدولي لأهم 200 جامعة عالمياً، ويكفي أنه أخرج بمفرده 85 عالماً حصلوا على جائزة نوبل، والمثير للدهشة أكثر أن نورهان أصلاً خريجة جامعة القاهرة.. ولكنها تعمل في هذا المعهد منذ عدة سنوات في مشروع بحثي شديد التعقيد والأهمية.

تواصلنا مع نورهان، عن حياتها في مصر قبل السفر، ردت قائلة: ولدت في القاهرة، بالتحديد في حي المعادي الذي عشت فيه معظم حياتي ومازلت أعيش على ذكريات كانت رائعة بالنسبة لي، وأتممت دراستي الجامعية بكلية الهندسة في قسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة، ومنذ صغري كان حب العلم وعشق الموسيقى لهما دورًا كبيرًا في حياتي؛ صحيح كنت أحلم أن أصبح طبيبة.. وأيضاً في فترة الثانوي كنت أخطط لدراسة الموسيقى، لكن انتهى بي الأمر بالالتحاق بكلية الهندسة التي استحوذت في النهاية على قلبي، فالهندسة هي التقاطع المثالي بين الفن والعلوم.. فالموسيقي بها هندسة والعكس أيضاً.

وعن سفرها لأمريكا، تقول: بعد تخرجي كنت أتقدم إلى العديد من الجامعات الأجنبية لاستكمال دراساتي وأبحاثي ، وبصراحة.. كان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حلمًا بالنسبة لي لم أكن أعتقد أنه سيتحقق ، خاصة في سني الصغيرة ، ولكي تدرك كيف كنت وما زلت فخورة للغاية بالانضمام لهذه المؤسسة الفريدة التي تأسست عام 1861 .. يكفي أن تعرف بأن المعهد هو الأول عالمياً في هندسة الطب الحيوي وتطوير الحواسيب ومجال الأبحاث التقنية المتقدمة وتطبيقاتها، وهو مصنف في المركز الأول من ناحية السمعة العلمية .. أي يتفوق علي جامعات عريقة مثل هارفارد وكامبريدج وأكسفورد وغيرها ، وأبحاثي الحالية تركز على تكنولوجيا البناء .. وخاصة مفاهيم وتقنيات التصميم لإنشاء المباني التي تساهم في بناء بيئة أكثر إنسانية وملائمة بيئيًا ، ويمثل تغير المناخ المحرك الأساسي وراء هذه المهمة ، والعديد من الأساتذة في البرنامج الذي أعمل به قاموا بحلول مدهشة بمن فيهم مستشاري البروفيسور بول فرنانديز الذي قدم تصميمات تعالج مشكلات تغير المناخ المختلفة والتي تتراوح من التخفيف من مخاطر الحرارة ، وكفاءة الموارد الحضرية ، ومحاكاة الطاقة الحضرية ، وكفاءة الطاقة ، وغيرها الكثير .

نورهان تدرك أن المفاهيم العلمية قد تبدو صعبة لأي إنسان عادي ، لذلك تبسط فكرة أبحاثها قائلة :تركز أبحاثي على علوم تغير المناخ ، والتأثيرات المحتملة في المناطق النامية ، وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البيئة الخاصة بالمنشآت في معالجة هذه المشكلة ، بمعني أن الهندسة هنا لها دور في كشف المخاطر المحتملة على صحة الإنسان المرتبطة بارتفاع درجة الحرارة في المدن ، وكيف يمكن أن يساعد استخدام التكنولوجيا الجوية والذكاء الاصطناعي في فهم البناء والتصميم الحضري بشكل أفضل ،وتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة يمكنها ذلك بشكل مدهش مدهشة فعلاً ، فعلى سبيل المثال ، في أحد أبحاثي كنا نستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المشكلات بسرعة في غلاف أي مبنى أي الواجهة والسقف ، وذلك بطريقة أسرع وأكثر دقة مقارنة بالطرق التقليدية ، بجانب رصد الانهيارات الأرضية والتنبؤ بها في مدينة موكوا في كولومبيا ، وذلك باستخدام بيانات قمت بجمعها عن طريق الطائرات بدون طيار " الدرونز " ، وقد قمت بهذا البحث من خلال التعاون بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومعهد جورجيا للتكنولوجيا وجامعة سيراكيوز وكنا نستخدم فيه البحث بطائرات الدرونز المزودة بأجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء لتشخيص أدق تفاصيل واجهات البيوت والمصانع ، وتتم معالجة البيانات التي تم جمعها من خلال خوارزميات وبرامج كمبيوتر معقدة قمنا بتطويرها في البحث لاكتشاف والتنبؤ بأي مشكلة ، فمثلاً ..إذا كان هناك عازل مطلوب في بعض المواقع في واجهات المباني أو إذا كان يوجد تسرب حراري حول الأبواب والنوافذ .. ببساطة أنا أقوم عن طريق هذه الطائرة بعمل أشعة مسح بالرنين المغناطيسي للمبنى تماماً كما يحدث للبشر .

بخلاف أستاذها البروفيسور بول فرنانديز ، نورهان تحدثت كذلك عن سيدة أخرى تعتبرها " ملهمة " بالنسبة لها وهي الممثلة الأمريكية الشهيرة هيدي لامار ، تقول : لقد منذ سنوات شاهدت فيلماً وثائقياً يتحدث عن هذه السيدة ومساهمتها في العلوم والتكنولوجيا رغم أنها لم تحصل على التقدير المناسب كعالمة مقارنة بشهرتها كممثلة ، وبعض العلماء يرون أنها المخترع الحقيقي لجهاز الهاتف المحمول، كما أنها سجلت في أميركا اختراعاً آخر هو (تحريك الطوربيد باللاسلكي)، بل ويعتقد كثيرون أن أبحاثها هي التي مهدت الطريق لاختراعات مهمة مثلشبكاتWi-FiوGPS، أيضاً أفخر بأنني عملت مع نيري أوكسمان ، وهو أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومصمم فريد من نوعه ، وقدم الكثير من الأعمال الرائعة التي تتناغم فيها الطبيعة والإنسانية مع الهندسة المعمارية .

نأتي للجانب الفني من مشوار د. نورهان .. والطريف أنها في هذا المجال تشتهر باسم آخر ، فهي في الجامعة الكل يعرفها باسم د. نورهان ، بينما تظهر في حفلاتها وإعلانات ألبوماتها باسم " نوري " ، بل ومن يري صورتها في المعمل وسط أبحاثها لا يصدق أنها هي نفسها صاحبة الصور التي تظهر علي ألبوماتها أو إعلانات حفلاتها ، تقول : الموسيقى هي المنفذ الإبداعي بالنسبة لي لأني أعزف علي الجيتار منذ كنت في الخامسة من عمري ، ومن وقتها كنت أستمع إلى فرقة روك إنجليزية شهيرة اسمها بينك فلويد والتي كان يعشق والدي أغنياتهم ، ولذلك طوال حياتي كانت موسيقي الروك جزء من شخصيتي وساعدتني كثيرًا خلال الأوقات العصيبة ، خاصة العيش بمفردك في الخارج والضغط الذي يأتي مع الدراسات العليا والغربة ، وقمت بالفعل بإصدار أول ألبوم لي في عام 2019 ، لكن أول مجموعة كبيرة من أعمالي حققت شهرة كانت في عام 2022 بالتعاون مع منصةAnjunabeatsالعالمية ، وتعتمد أعمالي علي نوع من الموسيقي الإلكترونية اسمهtranceويتحدث عن التنوع والمساواة وقبول الآخرين ، وشاركت في العديد من المهرجانات الموسيقية في أمريكا وأوروبا ، و" نوري " بالمناسبة هو اسم الدلع لي منذ صغري ولذلك أصررت علي يعرفني به الناس في المجال الفني .

د. نورهان لاحظت أنني مندهش من فكرة الجمع بين كونها باحثة علمية في معهد هو الأكبر عالمياً .. وبين عملها بالموسيقي ، تقول : أنا لا أرى الأمر غريباً ، فقد ذكرت لك الممثلة هيدي لامار كنموذج ، وأيضاً إيموجن هيب وهي مطربة إنجليزية مشهورة وأيضًا مخترعة ولها ابتكارات عبقرية ، ولا ينبغي أن تقتصر حياتنا علي جانب واحد .. بل يجب أن نستكشف ونتعلم أشياء جديدة طالما أننا ما زلنا نتنفس.. والحياة أقصر من تضييع الوقت بالاهتمام باعتقادات الناس وأفكارهم .

نورهان حصلت علي 2 ماجستير ودكتوراه رغم أنها في الثلاثين من عمرها ، وبخلاف عملها الأكاديمي والفني .. هي أيضأً رائدة أعمال ولديها شركة هندسية تعتمد علي الابتكار في التصميم المعماري لها عدة فروع ، وتعتمد في معظم أعمالها علي دراسات بطائرات الدرونز التي تتعامل معها نورهان وكأنها " لعبة " مسلية ، كما إنها تحضر مؤتمرات علمية وتكتب مقالات تنشر بأكبر المجلات الهندسية المتخصصة ، أيضاً هي عضو في جمعية تضم الطلاب المصريين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد ، وعنها تقول : هناك مصريون كثيرون يقومون بأشياء رائعة في العديد من المجالات بدءًا من علوم الكمبيوتر والهندسة الكهربائية ووصولاً لكليات إدارة الأعمال ، وفي جمعية الطلاب المصريين ، نهدف إلى القيام بأمرين ، أولاً ، توفير وسيلة مساعدة للطلاب في مصر المهتمين بالقدوم إلى الولايات المتحدة لعمل الدراسات العليا ، وثانيًا ، إنشاء هذا المجتمع هنا في الحرم الجامعي وربط جميع الطلاب حتى لا يشعرون بالعزلة. لقد قمنا بالعديد من الندوات عبر الإنترنت هي بمثابة إرث إنساني وعلمي مستمر طوال عدة أجيال.