عقول مهاجرة

يعمل أستاذاً بجامعة جنوب تكساس.. قصة طبيب مصري توصل إلى سر "شباب القلب"

بعد عناء توصلنا للبريد الشخصي لطبيب القلب الشهير د. هشامصادق .. وكانت المفاجأة أنه رد خلال دقائق ووافق على إجراء حوار مطول معه.. بلوأرسل رقم تليفونه الدولي، وموافقته السريعة هذه كانت غير متوقعة لعدة أسباب ..فهوبخلاف أنه...

يعمل أستاذاً بجامعة جنوب تكساس.. قصة طبيب مصري توصل إلى سر "شباب القلب"

بعد عناء توصلنا للبريد الشخصي لطبيب القلب الشهير د. هشامصادق .. وكانت المفاجأة أنه رد خلال دقائق ووافق على إجراء حوار مطول معه.. بلوأرسل رقم تليفونه الدولي، وموافقته السريعة هذه كانت غير متوقعة لعدة أسباب ..فهوبخلاف أنه أستاذ جامعي وجراح معروف ومستشار بعدة جهات علميةووقته مشغول دائماً.. فهو كان "حديث الساعة" في الأوساط الطبية العالمية لتوصله لاكتشاف سيغير طرق التعامل مع أمراض القلب تماماً ، كما إنه كان متواجداً في جنوب إفريقيا لحضور مؤتمر طبي هناك ، ولكند. هشام فسر ترحيبه الشديد هذا بأنه نادراً ما يتحدث معه أحد .. فمعظم من كتبوا عنه اكتفوا فقط بالحديث عنه ونقل ما ينشر عنه بالصحف الأمريكية والمجلات الطبية العالمية .

في البداية نتوقف مع العنوان الرئيسي .. المعجرة التي حققهاالعالمالمصريهشامصادقأستاذالأمراضالقلبيةوالبيولوجياالجزئيةوالفيزياءالحيويةبجامعةجنوبغربتكساسالأمريكية،وببساطة ..خلاياقلبأي إنسانعندولادتهتكونقادرةعلىالانقساموتجديدنفسهابنفسها،تماماً مثل الكثير من أعضاء الجسم ،لكنهاتفقدهذهالقدرةبعدأياممنالولادةبسببحاجتهالتكبيرالعضلةبمايواكبالمهامالتيستقومبهاوتحملضغطالدم.. ولذلك القلب مثل المخ .. أي جزء يتلف به لا تتجدد خلاياه ، ولايوجدأيدواءيعيدلعضلةالقلبقوتهابعدالتلف،وبالتاليعندفشلعضلةالقلبيحتاجالمريضلزرععضلةالقلبأوتركيبقلباصطناعي، ولكي ندرك أكثر حجم المشكلة ..فأمراض القلب هي المسبب الأول للوفاة في العالم .. وتخيلوا .. هي السبب وراء ربع وفيات الأمريكيين سنوياً ، وخطورة هذه الأمراض تزاداد في دول أخرى .. وحسب منظمة الصحة العالمية فإنها كانت السبب الرئيسي وراء وفاة 46 % من إجمالي حالات الوفاة في مصر .. أي تقريباً نصف الوفيات ! يقول د. هشام صادق : نبدأ من سؤال بديهي .. لماذاخلاياعضلة القلب أصلا لا تتجدد؟ والمفاجأة أنه رغم التطور الطبي الكبير في السنوات الأخيرة .. لكن علمياً غير معروف إجابة متكاملة عن هذا السؤال سواء للقب أو المخ .. بينما مثلاً خلايا الدم والكبد والعضلات بها خلايا جزعية يمكنها تجديد كل الخلايا بشكل طبيعي لو حدث بها تلف ، وسر عدم تجدد أنسجة القلب هو بدأت البحث عنه منذ 12 عاماً من خلال المجموعة البحثية الخاصة بي ، وقد اكتشفنا أن القلب قادر علي تجديد نفسه تماماً لو حدث به أي تلف لكن فقط خلال الأيام الأولى للولادة ، بعد ذلك هذه القدرة تتوقف ولا تعود مرة أخرى حتى نهاية العمر ، وطبعاً كان هذا اكتشافاً علميا لأول مرة في التاريخ .. لكن طوال السنوات الماضية ظل أيضاً غير معروف بشكل قاطع لماذاتتوقف هذه القدرة..وإحدى النظرياتتروج لأحتمال أنه خلال آلاف السنين من تطور الثدييات لمتكن هناك إمكانية لأنيتأقلم الجسم مع إصاباتالقلب أو المخ ،فببساطة .. لو تعرض الإنسان لجرح ما في يده .. وبمرور سنوات طويلة تصبح لدي الجسم قدرة ما في التعامل عن طريق المناعة مع هذا الجرح ، لكن الإصابات في المخ والقلب عادة تكون قاتلة ولذلك الإنسان لم تتشكل لديه قدرة علي التعامل معها ، لكنها نظرية غير مثبتة طبعاً .. وبالتالي حتى مع اكتشافنا لما يحدث للإنسان عقب ولادته .. ظلالواقع أن القلبخلاياهلا تجدد نفسهاولذلك يتلف .. وبالتالي تحدث عشرات الأمراض وملايين الوفيات سنوياً .

والسؤال الآن : ماذاالذي توصل إليهد. هشام صادقمؤخراً ليغير من المشهد تماماً؟ الرجل مع فريقهالعلمي نجحوا فياكتشافالجينالمسئولعنمنعتجددخلاياالعضلةالقلبية.. وهومايفتحالمجاللعلاجكثيرمنأمراضالقلب، يقول :اكتشفناجينMeis1الذييفرزهالجسمبعدالولادة،وهو يتبع نوع من الجينات - وهو جزء منDNAالخلية - الناتج منها يمد الخلايا بالبروتين مثل الميلانين الذي يمنح الجلد لونه وهكذا ، وبالتالي السؤال البديهي : إذا كانDNAالجسم كله متطابق تماماً .. فلماذا تختلف خلايا القلب عن خلايا الكبد مثلاً ؟ والإجابة هي أن برمجة هذه الخلايا تتم عن طريق هذه الجينات والتي تتحكم في عملها ، وبالتاليجينMeis1هذا يتحكم في الخلية وينتج عنه مئات البروتينات والتأثيرات .. وهنا لفت انتباهنا أنه بعد الولادة بعد أيام يظهر في القلب ، ووضعنا احتمالاً وهوأن الأكسجين يزيد بعد الولادة في الجسم .. وبالتالي ضغط الدم يرتفع داخل القلب ، ولذلك الخلايا تتوقف في انقسامها بأمر مباشر منجينMeis1.. أي أنهيعملعلىإيقافتجددعضلةالقلب،ولذلك مرضى الضغط العالي نجد أن حجم عضلة القلب عندهم يصبح أكبر وأكثر سماكة .. وهذه زيادة في خلايا العضلة وليس في عددها ، وهذا مهم لكي يستطيع القلب تغيير حجمه وقوته حسب المجهود والضغط الذي يتعرض له .. وبدلاً من تصنيع خلايا جديدة مع كل احتياج نجد القلب يقرر التضخم أو الانكماش .

آلية عمل القلب هذه مهمة جداً للحياة الطبيعية ، لكن .. ماذا عن القلب المريض فعلاً والذي تلفت خلاياه وبالتالي يتعرض لخطر كبير ؟ هنا تصبح " ضرورة " عدم تجدد خلايا القلب مشكلة كبيرة ، يقول د. هشام : ولهذا توقفنا طويلاً أمامجينMeis1،وأجريناتجاربمنخلالإزالةهذاالجين- بأسلوب علمي معروف منذ سنوات - منDNAخاص بفأر جنين ،وبعد ولادة فأر التجارب هذا وبمتابعتهظهر أمامنا اكتشاف طبي مذهل .. وهوأنعضلةالقلبكانتتنمومرةأخرى، واكتشفناأنإزالةهذاالجينتؤديلانقسامالخلاياالعضلية،وبالتاليتجديدنفسهاوعودتهاإلىحالتهاالطبيعيةقبلحدوثعمليةالتلف،كماأنقوةالعضلةوقدرتهاعلىأداءمهامهالاتتأثربعمليةالانقسام.

لكن مهلاً .. الحكاية تحتاج لتفاصيل لنعرفحجم الثورة الطبية التي تسبب فيها هذا الاكتشاف.. وهل يمكن أن تمتد لمرضي الكبد أو الرئة أو الكلى أو حتى المخ،بمعنى : هلهناك أمراض معينة يمكن علاجها عن طريق التحكم فيجينMeis1أو ما يشابهة في بقية أعضاء الجسم ؟ يقول د. هشام : نعم هناك جينات مثله موجودة في الرئة والكبد لكن بدرجات وآلية عمل مختلفة ، لكن هناك خصوصية في اختلاف اعضاء الجسم عن بعضها ، مثلاً .. بالنسبة لتليف الكبد هو بالفعل غريب ، فالكبد قادر علي أن يجدد نفسه بنفسه .. لكن هناك هندسة ربانية سبحان الله في كيفية تصميم خلاياه بجانب بعضها بطريقة عجيبة ، ولو مثلاً قمنا بقطع جزء من الكبد .. فهو قادر على يعوضها بجزء يكبر مكانها ، لكن لو حدث تليف كامل في الكبد كله فهذا يؤثر علي هذه الهندسة لأن الدم يصله منذ عدة جهات كالقلب والأمعاء ، وبالتالي حتى لو خلاياه انقسمت لا تعود للتصميم المضبوط حول الأوعية الدموية ،ولذلك الثورة الطبية الحالية ليست في علاج أسباب التليف فقط سواء في الكبد أو الرئة أو أجزاء كبيرة بالجسم .. ولكنها في ابتكار أدوية وطرق علاج لمنع التليف أصلاً عن طريق تنشيط جينات معينة لتجديد الخلايا.

الآن فهمنا الجزء الطبي بشكل كامل .. لكن ما يهم أي مريض ليس التفاصيل العلمية ولكن : كيف سيتم الشفاء ؟ د. هشام يقول إنهم يعملونالآنعلىتصنيعأدويةتمنععملجينMeis1بمايفيدالملايين منمرضىالشرايينالتاجيةوالذبحةالصدريةوعددكبيرمنأمراضالقلب، ويضيف :الأدوية بصفة عامة هي مركبات كيميائية ، وكل دواء مصمم بحيث يستهدف بروتين معين بخلايا الجسم وبالتالي يغير من وظيفته وشكله سواء بالزيادة أو التقليل أو التجميد الكامل ، والمسألة هنا ليست فقط بيولوجي ولكنها أيضاً كيمياء وفيزياء ، ونحن حالياً توصلنا للشكل الكيميائي لبروتينجينMeis1وهو متشبث بالحمض النووي ، ومن خلال حوارنا هذا أعلن أننا نجحنا بالفعل في عمل تصميم لنوعين من الأدوية أو مركبات كيميائية قادرة على منع هذا التشبث .. وعملنا تجارب أثبتت نجاح ذلك التصميم .. هناك تفاصيل أخرى لكنها ضمن بحث سنعلن عنه قريباً ، ولذلك لا يمكن الحديث عنه أكثر من ذلك، وحالياً نعمل أيضاً علي أدوية موجودة فعلا في الأسواق لعلاج أمراض مختلفة لكن لديها قدرة ما ليس فقط علي التعامل مع جينMeis1.. ولكن كذلك مع جينات أخرى تؤثر عليه ، والمعمل الخاص بي به عدة أقسام منها الخاص بأبحاث الجينات .. وأخرى للأدوية .

د. هشام ولد في إنجلترا خلال تحضير والده لرسالة الدكتوراه الخاصة به في جامعة مانشيستر ، ووالده بالمناسبة هو د. علي صادق رئيس مجلس بحوث الفضاء السابق ، وعاد لمصر ليلتحق بمراحل التعليم المختلفة حتى تخرج في كلية الطب جامعة عين شمس ، ثم سافر للحصول علي الماجستير والدكتوراهمنجامعةكيسويسترنفيتخصصالباطنةوأمراضالقلب،ثمأصبحأستاذافيأمراضالقلببجامعةجنوبغربتكساسفي دالاس،ولكن اللافت في مشواره هو دراساته في " تجديد عضلة القلب " ، يقول :

ضمن أمور عديدة مثيرة للاهتمام في مسيرة د. هشام .. أن مصريين كثيرين عادة يسافرون لدراسة الطب في الخارج ، لكن رغم ولادته في إنجلترا فهو درس بجامعةعينشمس، وهو يبرر ذلك بأن " موضة " الدراسة بالخارج لم تكن منتشرة قديماً .. لكنه يشير كذلك لنقطة مهمة ويقول :بصفة عامة .. المصريون قدراتهمكبيرةفي تحمل الصعاب والعمل في ظروف صعبة، والتعليم الطبي لدينا مميزجداً، وأتذكر عندما بدأت تدريبي الطبي في أمراض الباطنة بأمريكا ومقارنة بزملائي الأمريكيين الذي تعلموا في أكبر الجامعات هناك .. أدركت أن حجم المعرفة العلمية والمعلومات عندي أفضل منهم بكثير ، وأحد الأسباب طبعاً أن أسلوب الامتحانات عندنا في كليات الطب مختلف وكمية المعلومات والدراسة العملية والمطلوب منا لكي ننجح في كلية الطب أكبر بكثير ، أيضاً النظام مختلف .. في أمريكا كلية الطب دراستها 4 سنوات فقط ثم يمارس الطبيب عمله ولا يوجد عنده وقت للدراسة النظرية والعملية مثلنا ، وربما هذا ما يفسر لك تفوق الأطباء المصريين بالخارج ، وهناك سبب آخر .. الإنسان عندما يهاجر من بلده يصبح في حالة " خطر " وأمامه تحديات كثيرة ولا بديل عنده إلا التفوق وليس مجرد النجاح أو يصبح مثله مثل الآخرين .

د. هشامحصلمؤخراًعلىجائزة"العالمالمتميز"منالمؤسسةالقوميةللصحةوالقلبالأميركيةوقيمتها7.5مليوندولار،وهيتعدأكبرجهةفيدراليةأمريكيةتقدمدعماعنطريقالمنحوالجوائزللأبحاثالعلمية،يقول د. هشام : هذه الجائزة مهمة لي لأنه يتم منحها بناء علي المشوار العلمي وليس فقط مجرد اكتشاف أو بحث واحد ، كما إنها تدعمللتوصل لاكتشافات أخرى تتكلف مادياً الكثير .. ولذلك هذه المنحة ستدعمنا لمدة 7 سنوات للعمل في أبحاث مهمة جداً .