قصص ملهمة

كفاح أمودا المصري.. ابن الغفير الذي أصبح استاذاً جامعياً وصاحب شركة سياحة بأوروبا

منذ عامين كان العالم كله يتابع بإعجاب الجلسة الافتتاحية للبرلمان الإسباني " مجلس النواب “، خاصة وأن رئيسة الجلسة الإجرائية كانت أصغر الأعضاء سناً.. وهي الإسبانية من أصل مصري "نجوى جويلي“، وبالطبع حاولت بعض وسائل الإعلام...

كفاح أمودا المصري.. ابن الغفير الذي أصبح استاذاً جامعياً وصاحب شركة سياحة بأوروبا

منذ عامين كان العالم كله يتابع بإعجاب الجلسة الافتتاحية للبرلمان الإسباني " مجلس النواب “، خاصة وأن رئيسة الجلسة الإجرائية كانت أصغر الأعضاء سناً.. وهي الإسبانية من أصل مصري "نجوى جويلي“، وبالطبع حاولت بعض وسائل الإعلام التواصل معها لمعرفة قصتها.. لكن التفاصيل الأكثر أهمية كانت عن والدها.. فالأخبار المتوافرة كانت تقول إنه مهاجر مصرى يعمل بمجال السياحة، تواصلنا معه.. وبمجرد أن بدأت إجاباته على الأسئلة اكتشفنا أننا أمام حكاية كفاح تستحق التأمل.

البداية من " البدروم "

أحمد جويلي والشهير في إسبانيا بلقب " أمودا " كانت حياته صعبة .. كان " الفول " هو وجبته الوحيدة وحلم حياته هو زيارة الإسكندرية .. وكان يدرس بكلية الآداب جامعة القاهرة لكنه لم يكمل الدراسة بها وقرر السفر منذ 26 عاماً وعمره 17 عاماً ليبحث عن مستقبل أفضل له ولأسرته ، ذهب إلي اسبانيا وهناك درس في كلية السياحة والفنادق ، لكن بين الحلم بالسفر والوصول إلي مطار مدريد تفاصيل كثيرة ، يقول " أمودا " : أنا من عائلة فقيرة من أسوان ، طفولتي كانت بين أسوان والقاهرة ، عندما كنت طفلا لم يكن في قريتي مياه أو كهرباء .. كنا معزولين عن العالم ، وفي القاهرة كنت اعيش مع الأسرة في حجره صغيرة " بدروم " أسفل سلم عمارة في حي جاردن ستي ، وكان والدي يعمل غفيراً في المنطقة ، وكنت أعمل مع الدراسة منذ الابتدائية في كشك جرائد ومحل زهور ، فكنت اقوم بتوزيع جرائد علي الشقق أو الزهور علي مكاتب الشركات بالحي ، وتعلمت الكثير من قراءة الجرائد التى كنت أبيعها ، وأنا فخور بأنني من عائلة فقيرة ، وهذا ما اقوله للطلبة في الجامعه في اول درس .. فإذا كان مدرسهم من عائلة فقيرة من دولة أفريقية .. بالتالي سوف يشعرون بأنهم محظوظون لأنهم ولدوا في دولة أوروبية وسط مجتمع غنى ومتقدم ويجب عليهم الإجتهاد أكثر .

الحلم الإسباني

يكمل " أمودا " حكايته قائلاً : قررت دراسة اللغة الإسبانية لأنها غير منتشرة في مصر وبالتالي سوف تعطيني فرصة اكثر للحصول علي عمل ، كما أن الكورس الاسباني كانت تكلفته " رخيصة " وقتها .. نحو 20 جنيهاً في السنة ، وبالتالي ظروفي المادية لم تسمح لي سوي بدراسة الإسبانية لأن تكاليفها أقل من الدورات الانجليزية أو اللغات الاخري ، كما إنني تعرفت علي شخصية " دون كيخوتي " الإسبانية في إحدي اشعار نجيب سرور وكنت اريد ان أعرف المزيد عنها ، وفرصه السفر إلي اسبانيا جاءتني فبل بداية التسعينيات ، ولم تكن صعبة مثل الآن ، وخاصة وأن المركز الثقافي الإسباني بالقاهرة كان يساعد الطلبة الذين يدرسون الإسبانية ، حيث كان يقدم لنا دورة خلال الصيف في اسبانيا ، وقبل السفر قمت ادخار بعض المال خلال عامين وبمساعده بعض الاصدقاء ايضا لشراء تذكرة الطيران ، وحتى اليوم لم أنس نهائياً جميل وفضل أى شخص ساعدني .

مشوار الغربة

القصة تصل إلي محطة " الغربة " بتفاصيلها الموجعة والتى تتكرر مع كل شاب مصري يسافر إلي أوروبا " علي باب الله " ليبحث عن حلمه ، ويصف " أمودا " أيامه الأولي في إسبانيا بأنها الأصعب في حياته لأنه كان يعمل ويدرس في نفس الوقت ، كما كان ملزماً بإرسال مبلغ من المال لمساعدة عائلته البسيطة في مصر, ويضيف : بعد إجاده الاسبانيه جيدا قررت ان ادرس التسويق والتصميم ، وكان زواجي مبكرا اعطاني شيئاً من الاستقرار النفسي حتى أركز في الوصول لأهداف قصيرة المدي ، فكنت أدرس صباحا و اعمل في المطاعم ليلا لتغطية تكاليف الدراسة حتي حصولي علي " إم بي أي " في اداره الاعمال من جامعهie.eduوالتي اعمل بها الان استاذا ، ودخولي مجال السياحه كان بالصدفة المطلقة ، فلم أكن أرغب في العمل في هذا المجال .. لكن الظروف هي التي ادخلتني هذا المجال لأنني كنت أعمل في شركه إعلانات في قسم التصميم ، ثم ظهر الإنترنت خلال التسعينيات فقمت بتعلم البرمجة وعمل صفحات ويب فقط للهواية ، ومع انتشار الإنترنت في أوروبا انشأت صفحة عن دليل للسياحة مع صديق لي من استراليا ، وقدمنا أول دليل سياحي للفنادق بإسبانيا ، وبمرور السنوات اصبحت هذه الصفحة من اهم الصفحات السياحية باللغة الاسبانية علي مستوي العالم .. مما جعلنا نتشجع وننشيء شركة سياحة لاستغلال هذه الفرصة ، والان اصبحنا من أهم 3 شركات سياحيه إسبانية ، ويعمل بالشركة اكثر من ٢٠٠ موظف من خلال مكاتبنا في ١٣ دولة ، ولنا تعاملات في 25 دولة وبلغ عدد مستخدمي موقعنا للسفر علي الإنترنت نحو 67 مليون سنوياً ، ولنا مكاتب عديده في الشرق الاوسط في مصر و دبي ونعتزم افتتاح فرع في السعودية العام القادم هذا بالإضافة الي مكاتبنا في دول أمريكا اللاتينية ، وحصلت هذا العام علي جائزة افضل مدير تنفيذي بأسبانيا.

.. ومصر ؟

عندما ندرك حجم المشكلة الاقتصادية الكبيرة التى نعيشها في مصر بسبب أزمة السياحة .. طبيعي أن السؤال المنطقي الآن هو : وأين " الخبير السياحي الشهير " من مشاكل بلاده ؟ يجيب أمودا : لست وحدي .. خلال زياراتي لدول في أوروبا او أمريكا لحضور مؤتمرات او ندوات تعرفت علي عدد كبير من الشباب المصري الذين يجب أن يكونوا مصدر فخر لمصر وتستغل الدول خبراتهم .. لكن للاسف لم يتصل بنا أحد من مصر أو حتى عبر السفارات المصرية بالخارج للاستفاده منا ، فنحن " منسيون " من قبل الحكومات المصرية ، علي سبيل المثال أنا هنا في إسبانيا نائب رئيس الغرفة السياحية ولي علاقات بوزاراء ورجال أعمال في مجال السياحة وحتي الآن لم تتصل بي السفارة المصرية في مدريد طوال ٢٠ سنة لأساعدهم في نتشيط السياحة رغم أنني ارسلت لهم خطاباً رسمياً منذ 4 سنوات أعرض عليهم المساعدة بدون مقابل , الآن أنا أعمل مستشاراً سياحياً لـ١٠ دول في آسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي .. فماذا أفعل حتى تستفيد بي بلدي ؟ وعندما كنت في معرض دبي للسياحة منذ فترة طلب مني احد مستشاري وزير السياحة الذهاب للقاء الوزير، لكنه تركني وقتاً طويلاً في انتظاره وفي النهاية مشيت ، وأنا فكرت فعلاً في العودة لمصر في أيام ثورة ٢٥ يناير .. لكن بعد ذلك تراجعت .

أفكار سياحية

أمودا يري أن مشكلة السياحة مصر في عدم فتح الأبواب أمام شركات طيران منخفضة التكلفة ، مثلاً في المغرب منحوا الفرصة لمثل تلك الشركات فزاد السياح بمعدل 2 مليون سائح سنوياً ، كما أن الأطفال في إسبانيا يدرسون التاريخ الفرعوني في المدارس وهذا شيء جيد .. ولكن لابد أن نذكرهم بهذا التاريخ وبناء على ذلك نبذل جهودنا ، فمثلاً السياحة الإسبانية " فرعونية " لأن لديهم شواطئ كثيرة جدًا ولا يحتاجون لشواطئنا، كما لديهم 70 % من فنادق البحر الكاريبي لذلك تكون رحلاتهم السياحية أرخص من مصر ، وهم يبحثون عن الآثار الفرعونية ، وقبل أن ندشن حملات لابد وأن يكون لدينا امكانيات ..فمصر بها فنادق 4 و5 نجوم ليس لديها فنادق نجمتين وثلاثة لكي تشمل جميع المستويات الطبقية للسياح، فالسائح "الفقير" يستطيع أن يعمل بروباجندا للسياحة في مصر من خلال " حكاوي القهاوي " عما يشاهده ، وأنا لدي مشروعان في مصر عن طريق الهيئة العامة للاستثمار مصر، الأول فرع لإحدى شركتي لخدمة مكتبنا في أوروبا حيث يعمل فيه شباب مصري، والآخر شركة تقنيات مع شباب مصري في مجال البرمجة ،كما تعتبر التجارة الإلكترونية صناعة متنامية في منطقة الشرق الأوسط، ويقدر لها أن تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً ، ويتم إنفاق المزيد من المال على السفر من التركيز على نحو يفوق أي عمليات شراء أخرى عبر شبكة الإنترنت في المنطقة.

حكاية " نجوي "

نأتي إلي جزء رائع من الحكاية وهو الخاص بـ " نجوي " ابنة أموداً ، وبدأت علاقة نجوى ، المولودة عام 1991 ، بالسياسة مع المظاهرات التي خرجت من الجامعات عام 2012 احتجاجا على سياسات التقشف من الحكومة الإسبانية، وبدأ الشباب في تنظيم انفسهم من خلال تأسيس حزب "بوديموس" والذي يعني " نحن نستطيع " وقرروا الترشح لإنتخابات البرلمان الأوروبي بلا أي إمكانيات أو أموال للدعاية ، وتكررت حكاية " البدروم " مع نجوي مثل أبيها .. فالحزب كان يقع مقره في طابق سفلي تحت الأرض في حي لابابيس ، وحدثت المفاجأة وحصلوا على 5 مقاعد في البرلمان ليصبحوا رابع قوة سياسية في إسبانيا، وكانت نجوي مسئولة عن قسم "السوشيال ميديا" الخاص بحزبها أن تستمع إلى الناس وتقترب منهم، وتحديدًا إلى الشباب العاطل عن العمل في سنها، حتى تحول معاناتهم إلى برامج عمل يقوم على أساسها نشاط الحزب ، وبعدها قرروا الترشح في الانتخابات البلدية الإسبانية، وفازوا برئاسة مدينتي برشلونة ومدريد ، وتوالت مفاجأت الحزب الوليد، وحقق 69 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية، وحصلت نجوى على 97 ألف صوت محققة أعلى الأصوات بين كل المرشحين في الانتخابات ، وأصبحت أصغر نائبة في البرلمان الإسباني وأول إسبانية من أصول عربية تصل للبرلمان ، وهي حاصلة على درجة الماجستير في علم النفس التعليمي، وتعمل في مجال تعليم الأطفال ، يقول " أمودا " عن ابنته : منذ طفولتها حافظت علي ارتباطها بمصر رغم حياتها في إسبانيا ، كنت أحدثها عن أسوان وحكايات الاجداد والوضع في مصر قبل سقوط مبارك ، ومن الطريف والصدف ان جد نجوي من زوجتي الاسبانية كان مدير سينما مترو بالقاهره أيام الملك فاروق ولدينا صور بالمنزل سواء للجد الإسباني أو الجد المصري في شوارع القاهرة ، ولذلك نجوى طوال عمرها مصرية .. وطبعاً كنت فخوراً عندما شاهدتها ترأس الجلسة الافتتاحية للبرلمان الإسباني ، ومثل أي أب تكون سعادته لا توصف عندما يجد أن ثمار التربية وزرع المبادي والقيم في الابناء منذ الصغر أثمرت ، فأنا كنت اشجعها علي القراءة ومنحتها حرية التفكير ، وهذا ما تعلمته من والدي معي .. حيث كان ينصحني دائما بضرورة أن أترك مطلق الحرية للأبناء في أبداء الرأي والنقاش معهم احتراماً لإرادتهم ، وهذا ما اوصلني انا وابنتي الي ما نحن فيه الآن ، والفضل كله لتوفيق الله سبحانه وتعالي .. ثم لتعليم الوالد لي ، وكنت اتمنا ان يكون معنا في هذه اللحظه ، فهو مثل ملايين الاباء الفقراء في مصر الذين كافحوا لتعليم ابنائهم ، وبالمناسبة ، منذ سنوات خرج وزير العدل السابق في مصر وقال إن ابن عامل القمامة لا يستطيع أن يكون قاضياً .. فهذه الجملة تحطيم لأحلام الشباب المصري والذي كنت مثله في الماضي، وأحمد الله أن بنتي أثبتت عكس ذلك، فوالدي الغفير البسيط ابنه اصبح رجل أعمال مشهوراً في أوروبا واستاذاً جامعياً .. وحفيدته أصغر عضو في تاريخ البرلمان الإسباني .

روشتة النجاح

في نهاية الحوار سألنا " أمودا " عن سر نجاحه ، فقال إنه لا توجد روشتة يمكن وصفها للجميع لأن لكل انسان ظروفه ومشاكله المختلفة عن الآخرين في الحياة ، لكن كلنا لدينا ثلاثة اشياء نستطيع التحكم فيها وهي العزيمة و الإرادة والامل ، إلي جانب الصبر والدراسة المستمرة وعدم البحث عن " شماعة " لنضع عليها الحجج في عدم الاجتهاد ، وأهم شيء عدم الاستماع لمن يريد ان يحطم احلامك .. ويختتم بقوله : احياناً " الاعداء الأوائل " لطموحك يكونوا اقرب الناس إليك مثل العائلة والاصدقاء لانهم لا يريدون أن تختار الطريق الصعب وينصحوك بالسهل لخوفهم عليك .. لكن مع مرور السنين الطريق الصعب يصبح سهلاً .. وربما لو استمعت إليهم يحدث العكس والسهل يصبح هو الأصعب.