رضوى خليل، باحثة ومحاضرة في علوم الأعصاب والنفس، تخرجت في كلية العلوم جامعة الإسكندرية عام 2008 وكانت من الأوائل وتم تعيينها بالجامعة، لكنها كانت تتمني دراسة علوم الأعصاب وفهم كيفية التفكير البشري وسر اختلافه من إنسان لآخر، تكوين خلايا المخ وآليات عمله وسر الفروق بين البشر في قدراتهم الابداعية، لكن المشكلة أن دراسات علم الأعصاب كانت حكراَ على دارسي الطب فقط، فهنا قررت أن تتخذ قراراً.. أو بشكل أدق بدأت مغامرة.
تقول د. رضوى خليل: كلمة السر في كل ما وصلته إليه هي استاذتي في الكلية د. ماري مفتاح التي أدين لها بالكثير، بسببها بدأت أكتشف كيف يدرس العلماء في الغرب علوم الأعصاب، والتفكير بشكل عام في البحث العلمي، وبعدها كان على الاختيار.. إما استكمال طريقي التقليدي الأكاديمي كأستاذة في جامعة الإسكندرية، أو أخوض المغامرة وأسافر للخارج بحثاً عن تحديات أصعب، وفي عام 2011 شعرت بأني غير سعيدة وأريد البحث عن شغفي العلمي بعيداً عن المسار الروتيني والأبحاث المعتادة، بصراحة.. كنت أتمنى أن أقوم بجهد علمي فعال يضيف شيئاً للبشرية ويقترن باسمي، وكانت محطتي الأولي في جامعة بوردو الفرنسية، وهناك بدأت أعمل في مجال البرمجة العصبية وآليات اتخاذ القرار، وكان هناك جزء عملي من خلال دراسات علي القرود ثم التحليل الفسيولوجي للبيانات.
وتضيف د.رضوي خليل : في فرنسا شعرت بأنه تنقصني بعض المعرفة العلمية لكي تزيد مهاراتي البحثية، خاصة وأنني لم أكن أنهيت رسالة الماجستير في مصر، ولذلك بدأت دراسة الماجستير في علوم الأعصاب ، المدمج والخلوي والفسيولوجي والسلوكي والحاسوبي وغيرها ، أكثر من 10 علوم كنت أدرسهم بشكل جعل رسالة الماجستير تساوي عدة رسائل دكتوراه ، كما نشرت عدة أبحاث واستفدت جداً خلال هذه الفترة، وتنقلت بين عدة جامعات في سويسرا وهولندا ثم حصلت علي منحة دراسية في أمريكا وسافرت فعلاً في 2016 ، لكنني لم أستطع العيش هناك لفترة طويلة وبعد عام واحد عدت لألمانيا وبدأت مسيرتي مع التفكير الإبداعي من خلال علم النفس وعلوم الأعصاب ، مع التطبيقات علي حالات مرضية مثل مصابي الشلل الرعاش ، لكنني لم أدرس الطب .. فأنا أعمل علي الحالات الكلينيكة لكن من الناحية البحثية ، وأبحاثي استخدم فيها تخصصات كثيرة.
د.رضوي حالياً تحمل جنسية ألمانيا ، جاءتها للمرة في أكتوبر 2012 في بداية رحلتها العلمية ، ثم بعدها بـ5 سنوات عادت لمدينة بريمن والتي تعيش فيها حالياً حيث تعمل ضمن مجموعات بحثية في عشرات الجامعات حول العالم، كما إنها محاضرة في سيكولوجية اتخاذ القرار والتفكير النقدي في جامعة كونستركتور في بريمن ، تضيف : أنا شابة مصرية مسلمة ومحجبة .. فبديهي أن أيامي الأولي في أوروبا وخاصة بألمانيا لم تكن سهلة، فالحجاب مازال حتى الآن ينظر له البعض بأنه غريب وغير مفهوم، وهو ما يجعلك مختلفاً في نظرهم، لكن تظل المشكلة في طريقة التفكير البشري الخاصة بالتعميم .. وليس سهلاً التغلب علي هذه الفكرة، لكن لا أنكر أن السياق هناك يحمي المسألة ليس لكونها ذات رمز ديني ولكن لأنه حرية شخصية ، تماماً مثلما مسموح لمن تحلق شعرها أو تلونه أو ترتدي ما تريده، والاختلاف سر نجاح البشرية.
نأتي إلي مجال التخصص المتميز عن "العلاج الإبداعي في الصحة والمرض " .. ما المقصود بالتحديد ؟ تجيب د.رضوى : كثيرة هي الدراسات التي تدرس التفكير الإبداعي ومظاهره ونتائجه وتنميته ، لكن الحقيقة أنا أهتم بالعوامل الفسيولوجية التي تجعل التفكير مبدعاً أصلا، بجانب التوصل للسلوكيات التي تزيد من وتيرة التفكير الابداعي، والمشكلة أننا نحصر الابداع في الرسم أو الرياضة أو الفنون المختلفة وكأن أصحابه بالضرورة أصحاب مواهب ومختلفين عن الآخرين، ولكن الحقيقة هو بمثابة بذرة موجودة في كل إنسان يمكنه تنميتها في كل تفاصيل حياته .. الفيصل فقط في اكتشافها ، ببساطة لا نبحث عن مصدر الشغف في حياتنا وتشغل أنفسنا بمقارنات مع الآخرين سواء الأقل أو الأفضل حسب معايير كل إنسان يصنعها في تفكيره ، تجد كل إنسان يصنع قوالب للبشر ويضع نفسه في إحداها وبالتالي نحجب قدراتنا ، ولذلك قمت ببحث مع طبيبة مخ وأعصاب كرواتية كان هدفه الإجابة عن السؤال: هل يمكننا تقسيم البشر حسب سمات معينة تجعلهم مشتركين في مرتبة ما من الإبداع ؟ في الثمانينات مثلاً كان يوجد علماء نفس يؤكدون أن البشر لا يشبهون بعضهم البعض لأسباب خاصة بالنشأة والمجتمع والتعليم وأمور كثيرة، ولكن هذا لا ينفي فكرة أن كل إنسان لديه فعلاً قدرات إبداعية .. لكن المهم أن يختار ما يناسبه، وإذا حدث ذلك سنلاحظ أنه يتناسي الألم والشكوي وسلبيات كثيرة قد يراها من هو في نفس ظروفه .. ولكنه يفتقد للشغف والحب والرغبة لما يقوم به.
د.رضوي تستخدم من خلال أبحاثها الرسم والموسيقى والرياضة ضمن المناهج العلاجية الإبداعية ، ولكن ..وهل يمكن لمريض نفسي أو جسدي أن يحقق الشفاء عبر هذه الوسائل ؟ تقول : بالفعل .. هناك حالات مصابة بالزهايمر مثلاً كانوا يترجمون بالرسم ما يعجزون عن التعبير عنه بالكلمات، رغم أنهم في الأصل لم يكونوا يتقنون الرسم أصلاً، وهو ما يدل علي أنهم في مرحلة ذهنية معينة من استخدام خيالهم اكتشفوا قدرات إبداعية دفينة لديهم، وهناك أبحاث تمت علي بعض مرضى الزهايمر أكدت شعورهم بالسعادة بهذه الطريقة .. لكننا مازلنا لا نعرف ماذا يحدث بالضبط في الدماغ وقتها ، فقط توقعات لكنها غير مؤكدة بشكل نستطيع معه تعميم الحكم، خاصة مع ملاحظتنا أن هناك مهارات ومواهب تظهر عليهم لم تكن موجودة، والحقيقة التفكير الإبداعي يمكنه حل مشاكل كثيرة بجانب الأدوية، الفكرة في وصولك لمرحلة معينة من التركيز وتتابع الأفكار ، تخيل وأنت تسمع موسيقي معينة .. فتتذكر موقفاً ما مرتبطاً بها .. ثم تتذكر أشخاصاً مرتبطين بهذا الموقف وهكذا تتداعي الأفكار بشكل مرتبط قد تنتج عنه فكرة جديدة، تماماً مثل الملحن ..هو يقرأ الكلمات ثم يعيشها ويتخيلها فتبدأ الجمل الموسيقية في التدفق، وعندما تقوم بحركات رياضية يفرز المخ مواداً كيميائية معينة تشعرك بالسعادة والمكافأة والدافع ..بعد فترة تصبح سرعتك الذهنية أكبر، لو لاحظنا مثلاً رياضيين مشهورين أصحاب بطولات سنجدهم يتقنون لغات ومهارات كثيرة قد لا تتناسب مثلاً مع أقرانهم الذين تلقوا نفس القدر من التعليم ، الفكرة في التركيز ، شاهدنا في الأولمبياد كيف بذل الأبطال مجهوداً كبيراً جداً للوصول للهدف..هو في الحقيقة يبحث عن أٌقصى شعور بالسعادة والذي يقترن فيما بعد بالبطولة، وبالتالي الابداع ليس موهبة فقط ..بل خبرة ومثابرة وشعور بالمنافسة وتعلم من الخطأ ، أيضاً هناك ما يعرف بالعلاج بالرقص أو الحركات الإيقاعية..حيث تصل لحالة من التخيل والنشوة والتركيز والصفاء الذهني تماماً مثل الرقص الصوفي، وهو يعالج مشاكل نفسية كثيرة مثل الاكتئاب، لكن هناك مرضى وضعهم مختلف بسبب متاعب صحية أصعب، والغريب أنهم يصبحوا عكس المعتاد .. أكثر إبداعاً لكي يثبتوا للجميع بأنهم مازالوا قادرين علي الحياة، وهو ما يفسر مثلاً لماذا كثير من المكفوفين أصحاب قدرات إبداعية، والسبب العلمي ليس كما يقول البعض إنه أصبحت لديهم قدرات خاصة تعوضهم عما فقدوه، لا ..فالحقيقة أنها إرادة شخصية يحاولون بها تعويض ما يفتقدوه عن طريق التواصل مع البشر بطرق أخرى.
د.رضوي من خلال أبحاثها عن العملية الإبداعية، أشارت لنشاط ثلاث شبكات على وجه الخصوص في المخ وتسري في جميع أنحاء الدماغ ، بينما كان السائد قديماً أن هناك أجزءً من المخ أكثر إبداعاً من غيرها ، فهل بالفعل العلم مازال يجهل الكثير حول آليات عمل المخ البشري ؟ تجيب قائلة : حتى التسعينات كان نظام التحليل يتم عن طريق متابعة خلايا المخ ومدى نشاطها خلال القيام بمهام معينة، مثلاً تدريب معين خاص بالذاكرة كنا نلاحظ نشاط منطقة معينة في المخ وبالتالي نتوقع بأن لها علاقة بالأمر ، لكن بعد ذلك ظهر أن مسألة تقسيم المخ لمناطق يسري ويمني وأمامية وهكذا غير منطقية ، فلا يمكن عندما أفكر أو أركز أو أتأمل أو حتى استرخي .. فإن مكاناً معيناً فقط في المخ هو الذي يعمل، فما يحدث أن هناك عملية معلوماتية شديدة السرعة والتعقيد عبر شبكة عصبية .. بالتالي أًبحت مهمتنا معرفة هذه العملية من أين تبدأ ولأين تصل فيما بعد ، والمخ أكبر بكثير لدرجة أننا لو رسمنا خريطة بهذه الشبكات الاتصالية ستكون معقدة جداً ولن نفهم منها شيئاً.
والسؤال الآن .. هل عن طريق التفكير الابداعي يمكن لأي شاب عادي أن يطور من مهاراته بحيث لا يري الحياة فقط من منظور الأبيض والأسود والخير والشر ؟ تقول د.رضوي : بالفعل هذا هو سر الإبداع البشري .. أن تقوم بكل شيء بشكل مختلف، وأيضاً تتقبل اختلاف الآخرين باعتباره مظهراً للجمال والسعادة، فكما نتقبل اختلافنا في الشكل لابد من قبول اختلافنا في التفكير، فلا يوجد ناجح في الحياة إلا وأعتبر مشواره رحلة ..وليس مجرد محطة نهاية مطلوب منه التنافس لسباق الاخرين، فكل خطوة بداية جديدة لمسيرة متواصلة ، مقارنتنا بالآخرين كفيلة بقتل أي موهبة ونهاية الطموح وضياع الابداع ، فأكبر مشكلة حالياً عند الشباب أنهم يفكرون كثيراً ليس في تطوير أنفسهم واكتشاف مواهبهم بقدر مقارنة حالهم بالآخرين.