البروفيسور عزة كمال إلى جانب تدريسها التخطيط المستدام والتصميم الحضري في قسم التصميم البيئي بجامعة كولورادو بولدر الأمريكية، فهي خبيرة عمرانية، وباحثة في السياسات، ومهندسة معمارية، والأهم أن لديها شغف ببناء مدن أفضل وأكثر عدالة، ويتناول عملها بعضًا من أصعب تحديات التخطيط الحضري وهي عدم استقرار الإسكان، والقدرة على تحمل التكاليف، والتنمية العادلة، مع دمج أحدث التقنيات الجيولوجية والالتزام بالاستدامة الاجتماعية والبيئية.
نعود للوراء.. د.عزة كمال هي أصغر إخوتها الثلاثة، وُلدتُ في القاهرة و كان والدها مديرًا تربويًا حاصلًا على شهادة دراسات عليا، لكن فقدانه وهي في سن الرابعة عشرة أثر علي حياة العائلة بأكملها، تقول: كان علينا التركيز على النجاح في تعليمنا، تولّت والدتي مسؤولية مزدوجة، وواصلت تشجعينا على التفوق الدراسي، ونحن ثلاثة الآن حاصلون على شهادات دكتوراه: اثنان في الهندسة وواحد في جراحة الفم والأسنان، وفي سن الثامنة، شاهدت عمي -الذي كان يدرس ليصبح مهندسًا معماريًا- يرسم ويصنع تصميمات متطورة ألهمتني حقًا ، لذلك، في سنتي الأخيرة في المدرسة الثانوية، درست بجد وثابرت وكنت ضمن الأوائل على الجمهورية ، وحققت حلمي بالدراسة في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وبعد تخرجي في الجامعة حصلت على وظيفتي الأولى في شركة استشارات معمارية صغيرة، ثم انتقلت إلى شركتين أكبر في أثناء حصولي على درجة الماجستير ثم الدكتوراه في جامعة القاهرة في التصميم الحضري والتخطيط الحضري على التوالي.
ورغم أن حياتها العملية كانت مستقرة بالعمل فيشركتين معماريتين كبيرتين في الوقت نفسه ، بجانب تفوقها الأكاديمي وحصولها علي الماجستير والدكتوراة ، لكنها اتخذت القرار الصعب باستكمال دراساتها بالخارج ، تضيف : خلال فترة عملي كنتُ أدرس في جامعة القاهرة، بالإضافة إلى التدريس في جامعة طنطا ، ثم حصلت على فرصة لاستكمال دراساتي بالخارج ،وبالفعلحصلت علي درجة الماجستير في العمارة من جامعة تكساس إيه آند إم، وشهادتي دراسات عليا (في نظم المعلومات الجغرافية والتصميم الجغرافي) من جامعة ولاية بنسلفانيا، لكن جامعة كولورادو مؤسسة عريقة، معروفة عالميًا بعلمائها المرموقين في مجال المناخ ومساهماتهم الجليلة في خدمة الإنسانية، لقد تشرّفتُ للغاية بالانضمام إلى هؤلاء الزملاء في العام الماضي عندما عُيّنتُ أستاذًا مشاركًا في التدريس.
بالطبع عند بداية حياتها في أمريكا واجهت الكثير من العقبات ، تقول : أولاً وقبل كل شيء، التركيز على الهدف يجعلك تتجنّب أي إزعاج أو عقبات ، وبصفتي مسلمة ملتزمة محجبة، أواجه تحديات أكبر مما يواجهه الناس في أنحاء أخرى من العالم، والحجاب جزء من هويتي والالتزام الذي شكّل شخصيتي، لكن ساعدني على تجاوز التحديات التركيز، كما أنني تكيفت مع الثقافات المختلفة مع عدم التخلي عن هويتي ، وهو ما ساعدني طوال 25 عامًا على التعايش والنجاح.
سألنا د.عزة كمال :قبل تصميم أي مدينة جديدة .. ما هو المقصود بالتخطيط المستدام والتصميم الحضري؟ ردت قائلة: نهج التخطيط والتصميم الحضري المستدام هو استثمار في البنى التحتية القائمة للمدن، والحقيقة أن تلبية الطلب بسبب النمو السكاني من خلال بناء مدينة جديدة قد يتعارض مع مبادئ التخطيط المستدام، لأنه عند بناء مدينة جديدة - نائية/منفصلة - فإنك تبني طرقًا جديدة أو توسع الطرق القائمة. كما أنك قد تهدر الكثير من الموارد بدلًا من التفكير في إعادة تدوير الوحدات الشاغرة الحالية، لكن إذا وُضعت تشريعات مناسبة، فلا ينبغي لأحد - وخاصة في المدن التي تعاني من أزمات سكنية - أن يمتلك وحدات متعددة ويتخلى عنها، هذا النوع من الممارسات يقلل من العرض المتاح في السوق، والذي - إن لم يُنظّم - يضع المزيد من الضغط على الوحدات القائمة ويرفع الأسعار بشكل كبير، والأسوأ من ذلك بكثير هو عندما لا يكون المجتمع الجديد الذي تبنيه متصلًا بالمدن القائمة بنظام نقل عام فعال ، أو إذا كانت المدينة نفسها وجميع مكونات بيئتها المبنية والطبيعية غير مستدامة. أي أنها تعتمد على السيارات فقط، ولا تشمل السكان من جميع مناحي الحياة.
وربما من الإجابة السابقة يتضح أن د.عزة كمال لديها شغف في بناء مدن أفضل وأكثر عدالة، ولكن .. ما هو المقصود بتصميم مدن أكثر عدالة ؟ تقول : بشكل عام، لا نعتبر تخطيط المدينة تخطيطًا عادلًا إلا إذا أتاح فرصة للجميع، بغض النظر عن التعليم أو الخلفية أو العمر أو الطبقة الاجتماعية أو الدخل. في هذه الحالة، يكون الوصول إلى المرافق العامة في المدينة مجانيًا ومفتوحًا للجميع. ويشمل ذلك المساحات المدنية والخضراء غير الخاصة أو المسورة أو التي تُدفع مقابل اشتراك أو رسوم لمرة واحدة ، فالمدينة التي تفرض رسومًا على الناس لاستخدام المساحات العامة أو تُعزل المساحات الخضراء في مجتمعات خاصة مسورة، فهي تحرم سكانها من الحقوق الأساسية، وقد شهدنا أمثلة على هذا النوع من البناء في مدن في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بما في ذلك نيويورك وسانت لويس وشيكاغو في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ونتيجةً لفشلها، تم اعتماد تشريعات جديدة لإصلاح الإسكان في ثمانينيات القرن الماضي، ويستمر تحسين سياسات الإسكان لتوفير وحدات سكنية لائقة وبأسعار معقولة في مواقع مرغوبة وذات فرص عالية، حيث يمكن للسكان الوصول إلى وسائل النقل العام، والعيش جنبًا إلى جنب مع مناطق الدخل المتوسط والمرتفع في مجتمعات شاملة ومختلطة الدخل ومتعددة الاستخدامات ، كما يُراعي تخطيط المدن العادل أيضًا سلامة الجميع (الأطفال والنساء وكبار السن). ويعتمد نظامه على دفع تكاليف جميع هذه المرافق باستخدام نظام ضريبي هرمي وضرائب عقارية ثابتة لضمان تغطية الإيرادات لصيانة جميع المساحات الخضراء والمدنية، ولدعم التحسينات والتوسع.
وحسب كلام د.عزة كمال ، كذلك يُطبّق تخطيط المدن العادل أيضًا على مستوى الأحياء، وليس فقط على مستوى المدينة أو المستوى الوطني، أي أنه نظام لامركزي في عملية صنع القرار لضمان مشاركة المجتمع في القرارات المتعلقة بمجتمعه، ولذلك سألناها : لو نظرنا لمدينة عريقة مثل القاهرة ، وأرادت الدولة أن تقوم بتحديثها مع الحفاظ علي معالمها التراثية وهويتها ، في رأيك .. ما هي طريقة التعامل مع تحديات التخطيط الحضري مع الالتزام بالاستدامة الاجتماعية والبيئية؟ ترد قائلة : هذا سؤال مهم ، حيث يتطلب التعامل مع مدينة عالمية كالقاهرة إطارًا مدروسًا جيدًا، قائمًا على تعاون وشراكة متعدد المستويات بين مختلف أقسام المدينة (شمالًا، وجنوبًا، وشرقًا، وغربًا). وسيتطلب ذلك مواصلة العمل الوثيق مع الجهات الحكومية على مستوى البلديات (على مستوى المحافظات) وعلى المستوى الوطني (وزارات النقل، والبيئة، والإسكان، والتخطيط، والتعليم). كما يتطلب اتخاذ قرارات بناءً على قاعدة بيانات ضخمة ومفصلة للسكان، واستخدامات الأراضي، وسوق الإسكان/العقارات، مع وجود تشريعات خاصة لحماية المناطق ذات الأهمية التاريخية والثقافية وتصميمها.
وربما في مجال الهندسة المعمارية بأوروبا وأمريكا يتجدد كثيراً الرابط بين العدالة الاجتماعية والبيئية والاستدامة، ولكن .. كيف يمكن للمهندس دمج هذه المعايير في تصميماته ؟ وهل معني ذلك أن قيام شركة استثمارية مثلاً تقوم بتصميم قرية سياحية لفئة معينة .. يختلف في تصميم مجمعات سكنية لمحدودي الدخل ؟ تقول : لدي بعض المخاوف بشأن معالجة نهج التنمية (أو الاستثمار) بهذه الطريقة، لا ينبغي لنا التمييز بين الشكل المبني للسكان المحليين (سواء كانوا من ذوي الدخل المنخفض أو المتوسط أو المرتفع) وما ذكرته كقرية سياحية. أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نعيد النظر في هذا السؤال ونسأل: هل يحتاج السياح إلى قرى - منعزلة -؟ هل هذه هي الطريقة المناسبة للتعامل مع قطاع السياحة وإغرائه؟ ولو تكلمنا مثلاً عن مصر .. أين سيقيم السياح (من جميع أنحاء العالم) إذا رغبوا في زيارة القاهرة أو المدن الساحلية؟ ثم يجب أن نسأل أيضًا، هل يساعد بناء مساكن منخفضة الدخل في تحسين حياة الفقراء؟ والحقيقة لا ينبغي لشركة استثمار أن تقرر ما ستبنيه في مصر، بل يجب وضع نهج مصمم استراتيجيًا للاستجابة للطلب على الإسكان - ليس بالضرورة من خلال بناء مساكن جديدة - وتحسين البنية التحتية وقطاع الضيافة باستخدام مبادئ الاستدامة بطريقة تجذب أموال هؤلاء المستثمرين.
أخيراً .. سألنا د.عزة كمالعن أبرز الجوائز العلمية التي حصلت عليها حتى الآن ، وقد أجابت : على مدار العقدين الماضيين، حصلتُ على العديد من جوائز البحث والتدريس. وكان أبرزها جائزتان أكاديميتان رشحني لهما طلابي وزملائي. آخرها جائزة عام ٢٠٢٣ من جامعة فلوريدا، حيث حصلتُ على جائزة كلية التصميم والبناء والتخطيط للتميز في الإرشاد. كما حصلتُ على جائزة جامعة تكساس (في سان أنطونيو) لخدمة طلاب البكالوريوس والبحث الإبداعي.