علوم

‏ جلسة نفسية مع طبيب مصري بجامعة كولومبيا.. روشتة د. أحمد شمس الدين لحياة أفضل

منذ أسابيع كانت هناك مسابقة شهيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي اسمها " العالم العربي الصغير " موجهة للجالية العربية بأمريكا ، وكان لافتاً أن القائم عليها اسمه د .أحمد شمس الدين ،وبمزيد من البحث توصلنا لأنه طبيب نفسي مصري...

‏ جلسة نفسية مع طبيب مصري بجامعة كولومبيا.. روشتة د. أحمد شمس الدين لحياة أفضل

منذ أسابيع كانت هناك مسابقة شهيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي اسمها " العالم العربي الصغير " موجهة للجالية العربية بأمريكا ، وكان لافتاً أن القائم عليها اسمه د .أحمد شمس الدين ،وبمزيد من البحث توصلنا لأنه طبيب نفسي مصري ويعمل باحثاً في جامعة كولومبيا الأمريكية والتي تم انشاؤها منذ 270 عاماً وخرج منها أكبر عدد من العلماء الحاصلين على جوائز نوبل وتصل ميزانيتها لنحو 9 مليارات دولار ، فما هي قصة د.أحمد شمس الدين والذي يعتبر ضمن قليلين من أصول عربية نبغوا في الطب النفسي بواحدة من أكبر جامعات العالم ؟ .

عمره 38 عاماً ، ولد في مصر الجديدة ، والده أصلاً من دمياط - من قرية كفر البطيخ - ولظروف ما عادوا للعيش هناك لفترة حصل خلالها الابن على الثانوية العامة ، ومنذ صغره وهو مهتم جداً بالطب النفسي بمفهومه البسيط ، يقول : كنت دائم التفكير في خبايا النفس البشرية ، وإذا كنا جميعاً بشراً .. فلماذا يختلف الرجل عن المرأة في ردود أفعاله ؟ وما سر اختلاف الناس في الشكل والشخصية والسلوك والمواهب ؟ ولماذا خلقنا الله بهذه الاختلافات أصلاً ؟ وإذا كان الله خلقنا على الفترة طيبين .. فلماذا ينحرف البعض ويصبحوا مجرمين ؟ وما هو الهدف من الحياة ، فهل نحن نعيش لكي نقضي رحلة طويلة ثم نموت .. وينتهي الأمر ؟ أسئلة كثيرة وكلما كبرت ازدادت معي ، وكنت دائم التفكير في مستقبلي .. وفي الثانوية العامة بدأت شخصيتي تنضج وقررت أن دوري مع أصحاب الآلام والمعذبين.. ومن خلالهم سأجد إجابات كل الأسئلة ، فالمريض صاحب الألم عندما يذهب لأول طبيب يعتقد أن لديه " قشة النجاة " .. وإذا خذله فهو حرفياً يصبح أخطر عليه من مرضه نفسه ، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " صدق الله العظيم .

د. أحمد درس في كلية طب قصر العيني ، ثم حصل علي الماجستير من هناك ، وبالتالي : معيد ومدرس جامعي حياته مستقرة .. فلماذا فكر في استكمال دراساته العليا بالخارج ؟ ولماذا جامعة كولومبيا بالتحديد ؟ يقول : عندما التحقت بكلية الطب كنت نشيطاً في العمل التطوعي وبالتالي الاحتكاك بكثير من النماذج والفئات ، وهنا أدركت أن الطب النفسي هو طريقي لعشقي للتحليل وفك طلاسم غموض النفس الإنسانية ، وكنت منذ بداية دراستي للطب أحلم بالدراسة في الخارج ، واستشرت بعض الناس الموثوق فيهم فنصحوني بضمان مستقبلي أولاً هنا بدراسة الطب بقصر العيني ، ثم ألتحقت بالخدمة العسكرية وتعلمت خلال هذه الفترة الكثير وأثرت في شخصيتي ، ثم عدت معيداً في كلية طب قصر العيني وحصلت على الماجيستير ، وبالفعل أفضال هذا المكان علي كبيرة جداً ، فنحن عندنا نخبة من العلماء الذين تعرف قيمتهم بالفعل حتى عندما تذهب لأكبر جامعات العالم ، ولكن في لحظة ما شعرت بأنني أقتربت من السقف .. خطوات وأحصل على الدكتوراه ثم بعد ذلك مشوار واضح ومكرر من التدريس الأكاديمي والعمل في عيادتي الخاصة .. ولكن هذا لم يكن طموحي في العلم والبحث ، ولذلك قررت استكمال دراساتي العليا بالخارج ، وحصلت علي فرص لوظائف براتب ضخم في جامعات خليجية ولكنني رفضتها .. فأنا كنت أبحث عن مسار علمي وليس مجرد وظيفة ، وتقدمت لجامعة كولومبيا العريقة وتم قبولي وبدأت معهم من الصفر رغم أن مؤهلاتي كانت أكبر ، وتم تعييني بشكل رسمي وتطورت معهم ، وبالمناسبة .. الحمد لله كان هناك تيسيراً كبيراً في بداية سفري لأمريكا رغم صعوبات كثيرة سواء في اللغة أو المعيشة أو المسار التعليمي .

هناك سؤال يبدو بديهياً ..هل هناك فارق بين الطبيب النفسي والباحث النفسي ؟ هل مثلاً كطبيب وجراح الأورام الذي يعالج مباشرة والباحث الذي يجري تجارب لأدوية معينة أو للتوصل للشفرة الجينية للأورام .. وهكذا ؟ يقول د. أحمد : المثال الذي ذكرته دقيق بالفعل ، الطبيب النفسي عليه الممارسة الطبية بناء علي الأبحاث التي يقوم بها الباحث النفسي ، ببساطة .. هناك باحث يقوم بختراع آلة ما .. المهندس يستخدمها بشكل عملي في المصنع بعد ذلك ، أنا مثل المخترع الذي يبحث عن تفسيرات لألغاز النفس البشرية ، وأيضاً عن عقاقير وأدوية مؤثرة في مراحل علاج الأمراض النفسية ، بينما الطبيب يطبق هذا عملياً على مرضاه ، فهي علاقة متداخلة .. هو كطبيب مثلاً لديه دواء يسبب أعراضاً جانبية كبيرة رغم فائدته ، يقوم بتصدير هذه المشكلة لزميله الباحث الطبيب الذي يقرر تعديلات كثيرة ضمن أبحاث عديدة لتقليل هذه الأعراض ثم تجربتها على مرضى متطوعين وهكذا ، وربما هذه من مشاكل الطب في مصر لأننا " شطار جداً " في الممارسة الإكلينيكية .. لكننا نقف بعيدا فيما يخص البحث العلمي لتطوير هذه الممارسة .

تعرفنا علي الطبيب ومسيرته .. فنلبدأ الآن جلسة نفسية في بث مباشر من داخل أحد أكبر المراكز البحثية للطب النفسي في العالم ، وكان السؤال الأول : مع التطورات الكثيرة التي يشهدها عالمنا حالياً ، هل مصطلح " الإدمان " مازال قاصراً فقط علي الأنواع المختلفة للمخدرات ؟ يقول : بالطبع لا .. حالياً أصبح هذا المصطلح يشمل العادات والسلوكيات التي تخرج عن إطارها الطبيعي ، حتى ولو كان ما يتم إدمانه شيئاً جيداً ومفيداً بالمناسبة ، تخيل معي لو أن شخصاً يحب الجري .. وبالتأكيد هي رياضة رائعة مفيدة جداً للجسم .. لكنني سبق وعالجت مريضاً نفسياً وكان رجل أعمال كبيراً ولديه نظام في كل حياته ، ضمن نظام حياته إنه كان يجري يومياً بمجرد استيقاظه 40 دقيقة ، ولكنه مر بأزمات شديدة .. والرياضة تزيد مما يشبه " مورفين " الدماغ ، فأصبح يجري لفترة أكبر لشعوره بمتعة نفسية ، وبمرور الوقت أصبح وقت الجري اليومي له يزيد ، ورغم اصابته بمشاكل في المفاصل لكنه لم يعد يستطيع التوقف عن الجري .. ببساطة أصبح مدمناً للرياضة ، وتحول الجري من عادة جيدة إلى إدمان لابد من علاجه وإلا سيدمر حياته ، وهكذا أي عادة تخرج عن إطارها الطبيعي وتتحول إلى تكرار يصعب التحكم فيه وتؤثر على طبيعة الحياة تصبح إدماناً .. والخطورة ليست في المخدرات فقط لأنها واضحة وحتى من يتعاطاها يعرف أنه مدمن وما يفعله خطأ .. لكنها في أمور حياتية نفعلها بحكم " العادة " ونعتقد أنها جزء من الحياة رغم أنها تدمرها ، لكن التصنيف الطبي الدقيق يحتاج لبحث مفصل لأن التشخيص النهائي يعني ضرورة العلاج ، فهناك رجل لديه هوس في عمل علاقات متعددة .. لكن هذا الهوس ليس مجرد " طبع شخصي " ولكنه إدمان يستوجب علاجه نفسياً ودوائياً ، بل هناك حالة نفسية منتشرة حالياً تستوجب العلاج خاصة بالإدمان على الأكل .. هناك أشخاص مع السكريات والحلويات مثلا فعلا يستحقون العلاج النفسي .. القراءة رغم أنها عادة رائعة ومفيدة جداً لكنها مع البعض تتحول لإدمان قد يسبب الاكتئاب وأمراضا كثيرة ، والفيصل هنا أن تسأل نفسك .. هل هذه العادة فعلاً تسببت في تغيير نمط حياتك الطبيعي ولا تستطيع التوقف عنها ؟ .

وبمناسبة السؤال السابق .. متي يصبح ضرورياً أن نواجه أنفسنا بحقيقة أن ارتباطنا بالسوشيال ميديا أصبح يحتاج لتدخل نفسي ؟ وكذلك طالب الثانوية العامة مثلاً الذي قد يصاب بنوع من الرهاب .. هل النصائح فقط كافية أم في بعض الحالات هو يحتاج بالفعل لتدخل نفسي ؟ يجيب قائلاً : ببساطة كما قلت .. الإجابة عندك وعند من حولك .. أي شخص يجد أن سلوكا ما يقوم به بشكل دائم بدأ يؤثر على حياته فعليه الاستماع لصوت الإنذار ، وإذا زاد حجم التأثير وفي الوقت نفسه هو لا يستطيع السيطرة عليه .. أصبح هنا يحتاج لتدخل الطبيب سواء بعلاج نفسي أو دوائي أو الاثنين معا ، وهنا أشير لنقطة مهمة .. قد يدخل مريضان لطبيب باطني مثلاً فيشخصهما بنفس المرض وبالتالي يصف لهما الدواء نفسه ، لكن في الطب النفسي لا يوجد هذا المفهوم .. كل إنسان ولديه حالة وظروف و " باكيدج " مختلفة عن الآخر حتى ولو كان يجمعما مصطلح طبي واحد كالوسواس مثلاً ، وبالتالي مثلاً قد يأتي دواء نفسي بنتيجة جيدة جداً مع مريض .. بينما مع آخر يعاني من نفس الأعراض يصبح عديم المفعول ، وهنا نقوم بما يشبه عمل " الترزي " والذي يفصل الملابس حسب مقاس كل إنسان ، أيضاً تحديد المصطلحات مهم .. فالرهاب من مواقف أو أماكن بشكل لا يمنعك من التواصل مع الآخرين أو يؤثر علي حياتك فهنا نعتبره خوفاً طبيعياً ومؤقتاً وسيزول مع الوقت ، ولذلك لابد ألا نبالغ .. يعني تخيل طالب ثانوية عامة في مصر يعيش في ظروف الامتحانات التي نعرفها جيداً ومررنا بها جميعاً سواء تعليمياً أو اجتماعياً.. طبيعي أن يتأثر ، وعندما تهدأ هذه الأمور غالباً يعود لطبيعته .. نحن هنا لا نحتاج لتدخل نفسي بقدر تفهم أسري .. ولذلك تأتي أهمية التوعية في كيفية التعامل مع الظواهر التي يرتبط بها التوتر والقلق وأفكار سلبية .

ولكن .. ما سبق يتعلق أيضاً بدراسات مختلفة أثبتت أن الحالة النفسية قد تكون وراء الكثير من المشاكل العضوية ، مثلا .. كثير من الذين يعانون من الشيب في الشعر ويستخدمون أدوية ومستحضرات كثيرة .. الدراسات أثبتت أن التوتر والقلق لهما دور في الشيخوخة والشيب ، أو الذين يتعاطون عقاقير بسبب اضطرابات النوم بينما الحقيقة أنهم مصابون بمشاكل نفسية ، كيف يفرق هؤلاء بين العرض النفسي العابر .. والسلوك المرضي الذي يحتاج لعلاج ؟ يقول د. أحمد : هناك مجال كبير في الطب النفسي عن الاضطرابات النفسية التي توثر أو تتأثر بمشاكل جسدية ، وفعلا هناك كثيرون توترهم النفسي يكون هو السبب في آلام القولون العصبي أو تساقط الشعر أو تعب ووهن وقد يصل لمشاكل كبيرة في الأكل والنوم والمناعة أو القلب رغم أنه لا توجد أسباب جسدية واضحة ، ولدينا حالياً علم كبير اسمه " الروماتولوجي " ورغم أنه يتخصص في الأمراض الروماتيزمية الجسدية لكننا نبحث فيه نفسياً ، وضمن المشروعات التي أعمل فيها حالياً بحث عن علاقة الصدمات النفسية بمناعة الجسم ووظائف الأعضاء المختلفة ، وأطبق الدراسة علي فئة تعرضوا لأحداث سبتمبر 2001 وكيف أثر الرعب الذي تعرضوا له علي القلب والكلي والكبد ووظائف التنفس ، الدراسة تقوم علي أشخاص من سن سنتين وحتى 18 عاماً .. وسنظل معهم نحن وأجيال بعدنا حتى يصلوا لسن الـ75 عاماً .. تخيل حتى نخرج ببحث واحد نحتاج لكل هذه السنوات ، وفي أمريكا هناك خطة تعليمية واضحة لكي تجعل أي طبيب مهما كان تخصصه لديه دراية وعلم بالطب النفسي ، فمثلاً .. أصبح الخاضعون لعمليات التجميل مؤخراً بحاجة لجلسات نفسية سواء قبل أو بعد العملية ، خاصة وأنك تجد بعضهم يخرج من عملية ثم يقوم بثانية وثالثة وأحياناً يصل للعملية العشرين .. ويظل هكذا لأنه غير راض عن نفسه ويسبب لجسده مشاكل كثيرة ، وسر الحكاية أنه أصلاً لديه تشوهاً نفسياً في إدراكه لذاته .

حوارنا مع د. أحمد تطرق لواحدة من أطول الدراسات النفسية في العالم والتي تمت على مدار أكثر من 80 عاما، بدأت عام 1938 ولا تزال مستمرة حتى اليوم ، وقد شاركت فيها أجيال من العلماء بكلية الطب بجامعة هارفارد لمعرفة كيف تؤثر ظروف النشأة وتجارب الحياة في نمو البالغين وصحتهم وسعادتهم، وذلك عبر تتبع حياة 268 شخصا، لا يزال عدد منهم على قيد الحياة رغم بلوغهم التسعين من العمر ، وتوصل العلماء بعدها إلى خلاصة مفادها "أن العلاقات الاجتماعية الجيدة، وليس المال والشهرة، هي ما يجعلنا أكثر سعادة وأفضل صحة" سألته : بصراحة شديدة .. هل في مجتمعات فقيرة عندما نخبر معظم الناس بدراسة كهذه وبالعبارة الشهيرة " المال لا يشتري السعادة " .. هل تعتقد أنهم سيقتنعون بالنظر لحياتهم ؟ رد قائلاً : لنكن واقعيين .. شخص لا يجد قوت يومه أو مسكناً نظيفاً أو تعليماً مناسباً أو خدمات صحية توفر له الحد الأدني من مقومات الحياة .. هل تريد مني إقناعه بأن المال لا يشتري السعادة ؟ ببساطة سأكون أكذب عليه ، وبالتالي هنا أمر أنت لم تلحظه .. هذه الدراسة تمت في مجتمع مختلف وعلى أشخاص لديهم هذه الأساسيات أصلاً ، تذكر أنني قلت لك مسبقاً أن الطب النفسي يتعامل مع كل حالة بمفردها حسب " الباكيدج " ، وبالتالي من الخطأ الاعتقاد بأن الدراسات النفسية في جامعة ببلد معين هي بالضرورة تنطبق على مجتمع آخر ، كيف لي أن أقنع شخصاً ما يفتقد لأبسط مقومات الحياة أن العلاقات الاجتماعية ستوفر له السعادة أكثر من المال والشهرة ؟ أصلاً بالمنطق .. كيف سيصبح أكثر سعادة وأفضل صحة هو لا يملك ثمن علاجه إذا مرض ؟ وبالمناسبة .. تربية الأطفال وسط هذا المجتمع المادي بقيم مثل القناعة والرضا بنفس الطريقة التقليدية القيمة فكأني أغرس بداخله الابتعاد عن المجتمع أو الحقد الطبقي أو بمرور الوقت الضيق من حاله ، ولكنه يتعلم بألا يرضي بالأمر الواقع .. يعرف أن فقره ليس مكتوباً عليه وليس قدراً ولا يجب عليه الاستسلام له ، وبالعلم والاجتهاد سيحقق أفضل مما لم تستطع أسرته الوصول إليه ليس عيباً فيهم ولكن لأن ظروفهم مختلفة ، أي أن يصبح الطفل متمرداً ليس علي الأخلاق أو أسرته أو مجتمعه ..لكن على الضعف وضيق الإمكانيات ، يتمرد لكي يبني مستقبله .. فالقناعة لا تعني المذلة ، والتسامح ليس سلبية ، يفعل ما عليه ويصل لأقصى مسافة يمكنه قطعها .. ثم بعدها يقنع بما أنعم الله به عليه .

سألت د. أحمد عن تعليقه علي الدراسات النفسية التي ظهرت مؤخراً لمعهد نيويورك للطب النفسي بخصوص تشريح المخ ، والتي وجدت أن الأشخاص المتدينين بصفة عامة قشرة المخ لديهم أكثر سماكة في بعض مناطق الدماغ وبالتالي هم أقل عرضة للاكتئاب ، فأجاب : هنا الأمر لا يتوقف علي دين محدد لكننا نتكلم عن الأشخاص الذين لديهم جانب روحاني في حياتهم ، والحقيقة أن كل الأبحاث النفسية لا يمكنها منح حقيقة علمية ثابتة ودامغة لكنها توضح ملاحظات مع تكرارها تؤكد واقعاً ما ، وبالفعل وجدت الأبحاث ترابطاً معيناً بين مراكز محددة في أدمغة البشر تساعد على الهدوء النفسي وتكامل الشخصية وتصالحها مع ذاتها ، لكن قد أصدمك بالقول أن هناك أبحاثاً أثبتت العكس تماماً ، لكن بالنظر لنتيجة البحث فيما يخص الاكتئاب .. نعم وبنسبة 100 % ولكنني أعيد التأكيد علي أنهم قصدوا بالمتدينين هنا " الروحانين " ، فربما مثلاً كان ضمن الذين خضعوا للتجربة شخصاً هو في الأصل ملحداً .. لكنه مثلاً يمارس اليوجا بانتظام .

نصل في جلستنا لأحد أكبر المشاكل التي تعاني منها المجتمعات العربية والغربية علي السواء وهي ارتفاع معدلات الطلاق ، والسؤال : لماذا نشعر دائماً بأن هناك فجوة ما بين نصائح رجال الدين وعلماء النفس والاجتماع وحتي القوانين ووساطات الأهل.. وبين واقع الناس الفعلي ؟ وهل هناك أسباب نفسية عامة يمكنها تفسير هذه الظاهرة ؟ يقول : للأسف هذه الفجوة ستزيد وستتأصل المعاناة ، وكلما زادت المادية في المتجمعات فهي تجرد الإنسان رويداً رويداً من أي التزامات طويلة المدى وعلى رأسها طبعاً علاقته بزوجته وأولاده ، وكل طرف أصبح يرى الآخر ليس شريكاً .. ولكنه عبء عليه ، مادياً واجتماعياً بل وحتى أخلاقياً ، والسوشيال ميديا خلق لنا مجالاً لكي نظهر في أجمل صورة من وراء الشاشات وسط الآلاف وبلا تكاليف أو جهد ، وهذه المشكلة تحتاج لتوازن نفسي وعلاج مجتمعي ، فالعالم كله تسوده قيم للأسف ضد فكرة الزواج نفسها ، وستتزداد الكارثة بعد سنوات عندما تصبح الروبوت والآلات بديلاً مثالياً عن شريك الحياة ، وفي اعتقادي أن المشكلة الحقيقية ليست في نسبة الطلاق المرعبة .. لكن الأكثر رعباً هي نسبة المتزوجين المضطرين لاستكمال حياتهم لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية .. رغم أن الطلاق هو رغبتهم الحقيقية ، احسب كل هؤلاء .. وستتبقي لك نسبة من يصفون أنفسهم بالأزواج السعداء .. وحتى هذا لا يمكنك التأكد منه بالتفتيش في القلوب والنوايا والعقول ، وربنا سبحانه وتعالي جعل للكون نواميس .. واختلالها سببه أفكار البشر وأفعالهم ، ولذلك لن أقول لك كلاماً وهمياً مغلفاً بنصائح.. تسألني عن مشكلة الطلاق وأقول لك بوضوح أنه ظاهرة كبيرة ومنتشرة ومتزايدة .. ولا توجد حلول صالحة للصمود والتعميم .. بل ونحن في طريقنا ليصبح واقعاً عادياً ! .

وخلال الجلسة النفسية تطرق حوارنا لفئة مهمة في المجتمع ، وكيف أن بعض الدول وضمن سياسات دمج وتمكين ذوي الإعاقات المختلفة - أو كما نطلق عليهم في مصر ذوي الهمم أو قادرون باختلاف - قد تبالغ في بعض انجازاتهم أو الدمج بالتمييز في حقوق معينة ، فهل هذا نفسياً في صالحهم أم قد يأتي بنتيجة عكسية ؟ ويؤكد د. أحمد أن الدول توصف بالتحضر عندما تحترم ضعفائها ، ويضيف : نعم أنا مع هذه المبالغة .. ببساطة نحن نبالغ في إضفاء النجومية علي ممثلين يقدمون فناً هابطاً أو نجوم كرة قدم من أنصاف المواهب ورغم ذلك يحصلون علي شهرة ومال .. فهل عندما نشجع هؤلاء " الضعفاء " ونبرزهم نتهم بالمبالغة ؟ ولو تكلمنا عن تجربة مصر .. لا تتخيل التأثير النفسي الرائع عندما يشاهد أحد هؤلاء شخصاً مثله تماماً وفي نفس ظروفه الصعبة ولكنه خرج من عزلته وحقق ذاته بل وأصبح ضيفاً في احتفال كبير يحضره رئيس الجمهورية .. أنت بهذا تمنحه أملاً جديداً في الحياة ، وهذا ليس تمييزاً لأنه في الأصل شخص " استثنائي " وليس عادلاً التعامل معه بنفس مقاييس العاديين ، وهناك حقيقة ثابتة وهي أنه جسدياً البشر يموتون عندما يتوقف نبض القلب .. لكنهم نفسياً يموتون إذا فقدوا الأمل ، وفاقد الأمل هو ميت على قيد الحياة .

في النهاية وجهت للدكتور أحمد شمس الدين سؤالاً : هل الأمراض النفسية قد تظهر أحياناً مثل العضوية ، بمعني في صورة " أوبئة " مثل فيروس كورونا .. أو " وراثية " مثل مرض السكر أو " معدية " كأن كثرة الجلوس مع مريض بالاكتئاب قد تصيب بالفعل بالمرض ؟ رد ضاحكاً : تخيل أن شخصاً ما يتثاءب .. ماذا ستلاحظ ؟ كل المحطيين به غالباً سيفعلون مثله رغم أنه ليس شرطاً أنهم يرغبون في النوم ، نعم الأمراض النفسية بها صفة العدوى خاصة ما ذكرته بخصوص الاكتئاب ، تخيل لو أن أماً مصابة بوسواس قهري .. أبنها الصغير بعد سنوات من العيش معها بشكل يومي .. أليست لديه فرصة ليصاب بهذا المرض أو بمرض آخر قريب منه ؟ وحتى على مستوى المجتمع .. ليست على مستوي المرض ولكن " الحالة النفسية " ، فالجو العام للمجتمع تكون له سمة مميزة ، ونعم قد يظهر المرض النفسي في صورة أوبئة ، وهناك حوادث كثيرة لمختلين نفسياً لديهم اضطرابات ذهان نجحوا في السيطرة علي مجموعة كبيرة لدرجة أنهم أتخذوا قراراً جماعياً بالانتحار ، وفي العمل .. إذا كان الكسل هو السمة المميزة لشركة ما .. طبيعي أن يصاب به أي موظف جديد بمرور الوقت ، والأمر لا يتوقف عند أمراض .. بل حتى ظواهر وسمات نفسية .