عقول مهاجرة

"حوار الساعة" مع أستاذة اقتصاد مصرية بجامعة هانكوك

د.شيماء حنفي تتمتع بتجربة علمية وإنسانية غنية تستحق التأمل ، فهي أستاذة اقتصاديات التنمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة هانكوك للدراسات الأجنبية في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، حصلت علي درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جام...

"حوار الساعة" مع أستاذة اقتصاد مصرية بجامعة هانكوك

د.شيماء حنفي تتمتع بتجربة علمية وإنسانية غنية تستحق التأمل ، فهي أستاذة اقتصاديات التنمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة هانكوك للدراسات الأجنبية في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، حصلت علي درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة ماربورج في ألمانيا ، كما حصلت على الدبلوم الألماني في الاقتصاد (Diplom-Volkswirtin) وهو ما يعادل درجتي الماجستير والبكالوريوس معًا، من جامعة باساو الألمانية ، وفي الحوار التالي سنتعرف أكثر على مشوارها .. إلى جانب تحليلها للمشهد الاقتصادي الحالي.

*كيف تأثرت من البداية بظروفك العائلية منذ صغرك؟

وُلدت في أسرة مصرية بالولايات المتحدة بينما كان والدي يدرس الماجستير ويبدأ الدكتوراه في الهندسة المدنية بجامعة ولاية أوهايو. بعد ذلك انتقلت عائلتي إلى النمسا، ثم إلى مصر بعد بضع سنوات. كلا والديّ مصريان؛ والدي أصبح أستاذًا في الهندسة، ووالدتي مهندسة مدنية، وهذا جعلني نشأت في بيئة تجمع بين الطموح الأكاديمي والدعمالعملي،وكانت تجربتي في المدرسة الألمانية في مصر نقطة فارقة في حياتي، فقد منحتني منظورًا عالميًا منذ صغري، وعلمتني قيمة التفكير النقدي والمسؤولية الشخصية. لم نكننحفظ المعلومات،بل كانيتمتشجيعناعلى التساؤل والتحليل والتفاعل العميق مع ما نتعلمه، وهو ما شكل أساس شخصيتي الأكاديمية والشخصية حتى اليوم

بالمناسبة ، هل كان لديك شغفٌ بالتعلم منذ صغرك، وهل كنت تخطط لدراسة الاقتصاد بالفعل، أم أن نتيجتك في المدرسة الثانوية أثرت على اختيارك؟

انجذبتُمنذكنت في المرحلةالثانويةلفهم آلية عمل المجتمعاتوتطورها،ماهي أسبابالفقروالنمووالتنمية.لطالما تساءلتُ عن سبب تطور بعض الدول أسرع من غيرها، وكيف تؤثر السياسات والآليات الاقتصادية على حياة الناس، قادني هذا الفضول بطبيعة الحال إلىدراسةالاقتصاد، لم أرَ فيه مجرد مادة دراسية، بل أداةً فعّالة لتحليل الأنظمة المعقدة وفهم العالم من حولي.

بعد أن أنهيتَ دراستك الثانوية في مصر، كيف حصلتَ على فرصة مواصلة دراستك في ألمانيا؟ وهل كنت قادرة على التكيف بسهولة مع العيش في ألمانيا بمفردك؟

بعدتخرجي بالحصول على شهادةالـ"أبيتور" منالمدرسةالألمانيةبباب اللوقبالقاهرة(DSB)، حصلت على منحة دراسية من الهيئةالألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) للمتفوقين من خريجي المدارس الألمانية في الخارج.كنتُمهتمة بشدة بدراسة الاقتصاد في ألمانيا، لم يجذبني التعليم الأكاديمي الممتاز فحسب، بل أيضًا التجربة الثقافية الغنية التي ستوفرها الدراسة هناك.

والحقيقةكانابتعادي آلاف الكيلومترات عن عائلتي الحبيبة تغييرًاكبيرًا،ومررتُ بفترات من الحنين إلى الوطن خلال الأشهر القليلة الأولى، لكن لحسن الحظ كان لديّ بالفعل بعض الأصدقاء في ألمانيا الذين قدموا لي الكثير من الدعم، وتمكنتُ من تكوين صداقات جديدة بسرعة.كما ساعدني على التكيف خلال هذه الفترة تربيتي على الاستقلالية وتحمل المسؤولية، إلى جانب جودة الإعداد الذي حصلت عليه في المدرسة الألمانيةمن خلال تعزيز الوعي الثقافي.كل ذلكساعدني على الاندماج بسلاسة في المجتمع الألماني مع الحفاظ على هويتي.

درستَ الاقتصاد في جامعة باساو وتخرجتَ بماجستير في الاقتصاد. ثم انتقلتَ إلى ماربورج لدراسة الدكتوراه في الاقتصاد. لماذا هذه الجامعة تحديدًا؟

لأنني انضممتُ إلى الفريق الأكاديمي والتنسيقي المسؤول عن تأسيس أول برامج ماجستير في الاقتصاد يُركّز على الشرق الأوسط في ألمانيا، وأطلقنا برنامج الماجستير الألماني العربي "التغير الاقتصادي في المنطقة العربية"، والذي طُوّر لاحقًا إلى "اقتصاديات الشرق الأوسط" (EMEA)، وكلاهما يُقدّم في جامعةماربورجوالتي كانت البيئة الأكاديمية المثالية لهذا العملودراساتيللدكتوراه.

*خلال دراساتك للدكتوراه، ركزت على مجالين: الأول هو تحليلقياسيلمحددات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر وأثره على النمو الاقتصادي والتنمية على مستوى المحافظات، لماذا اخترت هذا الموضوع تحديدًا؟

نظرًا لقلة البحث فيه،فعلىالرغممن وجود دراسات عامة حول الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، كان هناك نقص واضح في البيانات والتحليل القياسي على مستوى المحافظات.ولسد هذه الفجوة، قمت بجمع مجموعة بيانات جديدة خصيصًا لهذا الغرض.سعيتمن خلالنماذجالاقتصاد القياسيدراسةوتحليلمحدداتالتوزيعالمكانيللاستثمار الأجنبي المباشر عبر المحافظات المختلفة، وفحص أثرها على النمو الاقتصادي والتنمية الإقليمية.هذا النوع من التحليل المحلي المبنيعلى الأدلة ضروري لوضع سياسات أكثر فعالية واستهدافًا لتعظيم الفوائد التنمويةوالإقليميةللاستثمار الأجنبي المباشرفيمصر.

كان المجال الثاني لدراساتك في الدكتوراه هو التحليل التجريبي للمحددات الاجتماعية والاقتصادية لنتائج التصويت في أول انتخابات برلمانية مصرية بعد الربيع العربي، ما أبرز نتائجه؟

ناقشتفي بحثي العلاقة بين الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للدوائر الانتخابية ونتائج التصويت في أول انتخابات برلمانية مصرية بعد الربيع العربي عام 2012، باستخدام الاقتصاد القياسي. أظهرت النتائج أن التعليم كان العامل الأقوى في تحديد السلوك الانتخابي، حيثكانت الدوائر ذات نسبة أعلى من خريجي الجامعات أكثر تصويتًا للأحزاب المدنية وأقل للأحزاب الإسلامية، بينما ارتبطت معدلات الأمية المرتفعة بزيادة الدعم للأحزاب الإسلامية. ومن الملاحظ أن ارتفاع معدلات الفقر لم يؤدِ إلى زيادة دعم الأحزاب الإسلامية، عكس الاعتقادالشائع فيوسائل الإعلام آنذاك، مما يؤكد أن التعليم، وليس الفقر، لعب الدور الأهم في تشكيل التفضيلات السياسية خلال هذه الفترة الانتقالية الحرجة.

*أنتِ حاليًا أستاذ مشارك في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية (HUFS) في سيول، كوريا الجنوبية. لماذا غادرتِ ألمانيا؟ ما الذي دفعكِ للعمل في بلد بعيد مثل كوريا؟

بعدحصولزوجيعلىدرجةالدكتوراه في ألمانيا عام ٢٠١٤، عُرض عليه منصب أستاذ مساعد في سيول، ولمنكننتوقعفيذلك الوقتأن نبقى في كوريا الجنوبيةطويلا.لكنبعد حصولي على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعةماربورجعام ٢٠١٦، انضممت إلى جامعةهانكوكللدراسات الأجنبية في سيول كأستاذمساعد في اقتصاديات التنمية، في أحد أكثر الأقسام عولمةً في كوريا الجنوبية، حيث يدرس طلاب من أكثر من ٥٠ دولة.فيالحقيقةتجربتنافيكورياثرية ومثمرة على الصعيدين الأكاديمي والشخصي، رغم تحديات التكيفمعاللغة والثقافة.يُعجبنالطف واحترام الشعب الكوري،وحيوية سيولوالتقدم السريع،معالتمتعبدرجة عالية جداً من الأمان،بالإضافة إلى المناظر الطبيعية الخلابة.معذلك، لا تزال روابطنا الشخصية والأكاديمية بألمانيا قوية، ونزورها كثيرًا.

*نأتي إلى الحديث عن الاقتصاد، هل تعتقدين أن السياسات الاقتصادية الحالية التي يقودها الرئيس الأمريكي ترامب، وخاصةً فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، لها أي تأثير إيجابي، وخاصةً على الاقتصادات الناشئة؟

بعضالدول النامية قد تستفيد قليلاً لفترة قصيرة إذا زاد الطلب على صادراتها أو انتقلت التجارة إليها، لكن هذه الفوائد غالبًا محدودة وغير مؤكدة. بشكل عام، الرسوم الجمركية والإجراءات الانتقامية تجعل التجارة أكثر صعوبة وتزيد من القلق العالمي، كما تؤثر على سلاسلالتوريدوثقة المستثمرين. هذا يضر بشكل خاص بالدول التي تعتمد على التصدير. على المدى الطويل، هذه السياسات تقلل من فعالية التجارة وتشجع على البطء في الابتكار، ما يجعل تأثيرها على الاقتصادات النامية سلبيًا أكثر من إيجابي.

*إلى أي مدى تغير الاقتصاد العالمي بعد جائحة كوفيد-19؟ هل لجزء كبير من الصراعات السياسية والعسكرية التي نشهدها حاليًا أساس اقتصادي؟

منذ جائحة كوفيد-19، شهد الاقتصاد العالمي تغييرات هيكلية كبيرة. ارتفع التضخم بشكل حاد بسبب اضطرابات سلاسل التوريد وزيادة الإنفاق الحكومي. اتسعت أيضًا أوجه التفاوت الاقتصادي داخل البلدان وفيما بينها. إضافةً إلى ذلك، ارتفعت مستويات الدين العام بشكل حاد، وتغيرت أسواق العمل، وأصبح العمل عن بُعد أكثر شيوعًا في العديد من القطاعات. ويتزايد التركيز الآن على مرونة سلاسل التوريد وتسريع وتيرةالرقمنة،وفيما يخص الجزء الثاني منالسؤال ..نعم،للعديد من الصراعات السياسية والعسكرية أسباب اقتصادية قوية. فالتنافس على الموارد مثل الطاقة والغذاء والمعادن والسيطرة على التجارة والتقدم التكنولوجي يزيد التوتر بين الدول.كما أن مشاكل الاقتصاد مثل البطالة والفقر قد تؤجج الاضطرابات داخل الدول وتزيد الصراعات بينها. ليست كل الصراعات اقتصادية، لكن المصالح الاقتصادية غالبًا تلعب دورًا مهمًا.

*في مصر، تُطبّق حاليًا سياساترقمنةمتوالية. هل ستؤثر الاتصالات والتكنولوجيا المالية على التنمية الاقتصادية، وتعزز الحوكمة، والحرية الاقتصادية، والأنظمة المالية، وتعزز التنمية المستدامة؟

توسّعالرقمنةالوصول إلى الخدمات المالية لعدد أكبر من الناس، وتدعم الشركات الصغيرة ورواد الأعمال، مما يحفّز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. كما تزيد الشفافية والكفاءة في الحكومة، وتعزز ثقة الجمهور وتشجع الاستثمار. ومع ذلك، أظهرت حوادث مثل الحريق في سنترالرمسيسنقاط ضعف في البنية التحتية الرقمية، مما يوضح أهمية الاستثمار في تقويتها، وحماية الأمن السيبراني،إلىجانبتعليم الناس المهارات الرقمية، وتحسين القوانين لتحقيق الفوائد الكاملةللرقمنة.

*هل يُمكن تكرار التجارب الاقتصادية بين الدول؟ على سبيل المثال، حققت دولة مثل ماليزيا إنجازات كبيرة بفضل مشاريع ريادة الأعمال. هل يُمكن تكرار هذه التجربة في دولة أخرى وتحقيق النجاح، أم أن لكل دولة ظروفها الخاصة؟

لاشك أن هناك الكثير مما يمكن تعلمه من تجارب الدول التي حققت نموًا سريعًا خلال العقود الأخيرة، مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية. وبشكل عام، هناك إجماع واسع في الأدبيات الاقتصادية على العوامل الأساسية التي تحدد النمو، مثل وجود مؤسسات قوية، وحوكمة جيدة، والاستثمارفي التعليم والبنية التحتية والابتكار. وفي الواقع، تُعدّ المؤسسات السبب الجذري وراء العديد من هذه العوامل، فهي تمثل القواعد والأنظمة والتنظيمات التي تنظم سلوك الناس والتعاملات الاقتصاديةوالسياسية. إذ توفر المؤسسات الشاملة الحوافز الصحيحة للابتكاروالعمل الجاد والاستثمار. وبدونها، يصبح الحفاظ على النمو طويل الأجل أمرًا بالغ الصعوبة.

* يبرز سؤال يبدو ساذجًا، لكنه قد يخطر ببال المواطن العادي، هل عندما يُقال إن قيمة الجنيه المصري قد انخفضت مقابل الدولار، فهذا يعني ضعف الاقتصاد المصري؟ خاصة وأن دولاً أخرى تتمتع بقوة اقتصادية، رغم أن قيمة عملتها مقارنةً بالدولار أعلى من الجنيه، كالين الياباني مثلاً، أو الليرة الإيطالية سابقاً، ما تفسير ذلك؟

هذاسؤال وجيه وشائع، لكنه يقوم على فهم خاطئ، فالقيمة الحقيقية للعملات غير موجودة بشكل مستقل، فهي دائمًا مرتبطة بعملات أخرى. لذلك، فإن سعر صرف العملة – أي كم يساوي الجنيه المصري من الدولار – لا يعكس مباشرة قوة أو ضعف الاقتصاد، إذ تتأثر أسعار الصرف بعدة عواملمثل الفائدة، التضخم، وأنظمة الصرف. فمثلاً، اليابان من أكثر اقتصادات العالم تقدمًا، ومع ذلك فإن الدولار الواحد يساوي أكثر من 150ينًا، وهذا لا يعني ضعف الاقتصاد الياباني أو أن الاقتصاد المصري أقوى منهمثلاًبثلاث مرات. أما في حالة مصر، فقد يشير الانخفاض الحاد للجنيهإلى ضغوط اقتصادية مثل انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي، اختلالالتوازن التجاري، أو عدم الاستقرار المالي، والأهم هو استقرار العملة وأداء الاقتصاد العام على المدى الطويل.

عندما يشعر المواطن بارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات، يُفسر ذلك فورًا على أنه أزمة اقتصادية، فهل يُعدّ استقرار الأسعار دليلًا حقيقيًا على قوة الاقتصاد، أم أن تقلب أسعار السلع سلوك اقتصادي طبيعي في أي مجتمع يشهد تغيرات؟

منالمهم التمييز بين ارتفاع أسعاربعضالسلع والخدماتنتيجة عوامل مؤقتة مثل نقص المعروض أو زيادة الطلب، وبين الارتفاع في المستوى العام للأسعار في الاقتصاد، وهو ما يُعرف بالتضخم؛ فارتفاع أسعار سلع بعينها لا يعني بالضرورة وجود مشكلة اقتصادية شاملة، بينما يشير التضخم إلىارتفاع واسع في أسعار معظم السلع والخدمات، مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، أي أن ما تملكه من مال لا يكفي لشراء ما كان يكفيه في السابق.أيضًا،ضعف العملة قد يجعل الصادرات أرخص، لكنه يرفع أسعار الواردات، مما يزيد من التضخم. وفي مصر، أصبح التضخم أحد أكبر المخاوف خلال السنوات الأخيرة، حيث تكافح الكثير من الأسر لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة.

*ما هي أبرز الجوائز الأكاديمية التي حصلتِ عليها حتى الآن؟

حصلتُ على جائزة ابن خلدون لأفضل بحث منجمعيةالشرق الأوسط الاقتصاديةMiddle East Economic Association (MEEA)في الولايات المتحدة، وجائزة أفضل باحث شاب من كلية إدارة الأعمال والاقتصاد بجامعةماربورجفي ألمانيا.