الدكتور أحمد علي التلاوي عاش أكثر من نصف عمره في المنيا حيث ولد وتعلم الابتدائي والإعدادي والثانوي ووصولاً لكلية الهندسة بجامعة المنيا، وقد حصل على درجة البكالوريوس عام 2006 ثم الماجستير بعدها بـ3 سنوات، بعدها سافر للحصول على الدكتوراهمن جامعة مدينة نيويورك .. وخلال نحو 10 سنوات فقط أصبح من أكبر خبراء شبكات القوي الكهربائية الذكية هناك والمشرف علي برامج الدكتوراه بقسم الهندسة الكهربائية ، حكاية نجاح متميزة نتوقف مع تفاصيلها في السطور القادمة .
*هل نبوغ والدك في الهندسة كان مشجعاً لك لاستكمال مسيرته في المجال نفسه ؟
نشأت في أسرة تقدس العلم والعمل، ومازال والديّ أطال الله في عمرهما وأسرتي الصغيرة المكونة من زوجتي وابنتي هم مصدر الطاقة والإلهام لي ، وتعلمت من والدي التواضع في العلم .. فهو دائم الاطلاع والتعلم حتى ممن هو أصغر منه سناً أو أقل علماً، أيضاً تأثرت بنشأتي في المنيا لأنها مدينة هادئة وأقل صخباً وازدحاماً من القاهرة ولذلك ليس أمامك سوى التركيز في دراستك،وربما في أثناء التحاقي بقسم الكهرباء بكلية الهندسة لم أكن على دراية كاملة بطبيعة هذا التخصص وكان قراري متأثراً بطبيعة شخصيتي المحبة للتحدي، فهذا القسم كان يستقبل الطلاب الأعلى تقديراً فقط على مستوى الكلية و معروف بطبيعته التنافسية، و لكن بمرور الزمن أحمد الله أنه وفقني في اختياري.
حصلت علي الماجستير من جامعة المنيا وكنت معيداً بكلية الهندسة..لماذا فكرت في استكمال دراساتك العليا والحصول علي درجة الدكتوراه في أمريكا ؟
الولايات المتحدة الأمريكية كانت هدفي الوحيد قبل سفري لأنها رائدة في مجالات شبكات القوى الكهربية الذكية ومصادر الطاقة المتجددة بمعامل كبيرة وطفرات علمية لا تتوقف، وبالتالي السفر بمنحة دراسية لأمريكا يتطلب مجهوداً و تخطيطاً كبيرين لأن المنافسة قوية ،وعملت بجد شديد في أثناء دراسة الماجستير لتطوير إمكانياتي كباحث بمساعدة د. محمد عبد الوهاب رحمه الله وأستاذي العزيز الدكتور محمد حمادة،وهو ما ساعدني على نشر أبحاث في وقت قصير و بناء سيرة ذاتية أستطيع بها البدء في مراسلة أساتذة بأمريكا للبحث عن فرصة في المعامل المميزة في مجالات الطاقة المتجددة ، وبعد شهور من المحاولة جاءتني الفرصة ،ولا أنسى عندما كنت أسافر للقاهرة لاستكمال مستندات أو اجتياز اختبارات ، فهذا السفر لم يكن سهلاً لظروف المواصلات وقتها ، ولا يمكنني حصر عدد المرات التي اضطررت فيها للعودة واقفاً لساعات أو نائما فوق أرضية القطار من الإرهاق، وأتذكر تلك الصعوبات حالياً وأحمد الله عليها لأنها غرست بداخلي الإصرار ، فالمشوار لم يكن مفروشاً بالورود، ولكل مجتهد نصيب.
نتوقف هنا مع بداية حياتك في أمريكا .. بالتأكيد مثل أي شاب يعيش في الغربة واجهتهك صعوبات كثيرة فيما يخص اللغة والثقافة ونظم التعليم ، كيف تغلبت عليها ؟
خرجت من مطار فلوريدا بمدينة ميامي لأجد بانتظاري زميل أمريكي من أصل مصري، كان يتحدث بعض العربية ولكنه يفضل الحديث بالإنجليزية، كنت حتى ذلك اليوم لم أر في حياتي المطر ينهمر بتلك الغزارة مما زاد شعوري بالغربة، طلبت من زميلي أن نتوقف لأشتري بعض الحاجات الأساسية ومن ثمّ وصلت لمحل سكني، رغم جوعي لم استطع إكمال علبة تونة كنت قد اشتريتها، طعمها مختلف، أدركت حين وصولي أيضاً أن الأضواء في السكن موجودة في المطبخ ودورات المياه فقط، وكذلك الحال بجميع الشقق هناك، وددت لو كنت أعلم مقدماً لأشتري مصابيح، قضيت ذلك المساء المظلم مفترشاً الأرض وسط صخب المطر المتساقط بقوة علي النافذة بمشاعر مختلطة من القلق والفرح والملل والإصرار، و لكن على رأس تلك المشاعر كانت الغربة، والبداية بالجامعة كانت شديدة الصعوبة، فجامعة نيويورك تأسست عام ١٨٤٧ وتمثل أكبر تجمع للكليات في أمريكا ويدرس بها نحو 300 ألف طالب وحصل خريجوها على 13 جائزة نوبل، والمعمل يعج بالطلاب النوابغ وأصحاب الخبرات الكبيرة من أماكن متفرقة من العالم، شعرت كلاعب متألق محلياً تم ضمه لمنتخب العالم، طبيعة العمل جادة وقاسية، لابد من إنجاز المهام الكبيرة والمعقدة في وقت قصير جداً سواء انضممت للفريق اليوم أو العام الماضي، قطار المعمل يتحرك بثبات و علي الطالب الجديد إما اللحاق به أو السقوط بلا رجعة، حكايات الطلاب المفصولين من قبل تُتداول بين الباحثين على سبيل السمر، رغم ثقتي في قدراتي كنت أنظر في البداية إلى بعض زملائي و أتساءل اذا ما كنت يوماً سأستطيع اللحاق بهم، كنت أقرأ وأعمل كثيراً وأجاهد نفسي لأقاوم الشك وأجدد الدوافع، آمنت بأنني لن أفلح إلا بالاجتهاد والصبر و من قبلهما التوكل علي الله، بمرور العام الأول كنت قد اكتسبت ثقة كبيرة في نفسي و احترام أستاذي و زملائي، وبمرور الوقت أصبح أستاذي يضرب بي المثل لزملائي.
أعرف أن نظام التعاقد مع الجامعات الأمريكية مختلف عن الموجود في مصر ، كيف تعاملت مع فكرة إنشاء معمل من الصفر والتواصل مع المؤسسات والهيئات الخاصة فيما يخص التطبيق العملي للبحوث العلمية ؟
في مصر النظام قائم على تعيين أوائل الدفعات تلقائياً كمعيدين ولاحقاً بعد الترقي كأساتذة جامعة، في أمريكا الجامعة تعلن عن منصب شاغر لوظيفة أستاذ، يتقدم المئات من خريجي الجامعات الأخرى، ولكن خريجي نفس الجامعة لا يمكنهم التقدم للوظيفة .. فالجامعة تبحث عن أفكار جديدة، وتتم تصفيات متتالية حتى يتم شغل المنصب ، وبعد التعيين يوضع الأستاذ تحت الاختبار لمدة تتراوح بين 5 و 7 سنوات ، ويتم بنهاية تلك المدة تقييم أداء الأستاذ بشكل شامل من ناحية جلب تمويل للبحث ونشر أبحاث والقدرة على التدريس وخلافه، و بناءً عليه إما يتم تثبيته أو فصله ، وكنت بنهاية الدكتوراه قد بدأت أساعد أستاذي علي كتابة مقترحات بحثية، وبعد تعييني بجامعة مدينة نيويورك تواصلت مع هيئات و شركات مختلفة بهدف مناقشة فرص التعاون، وأثمر ذلك المجهود عن عدة مشروعات بحثية تم تمويلها من شركات مثل شركة توزيع الكهرباء بنيويورك وهيئات مثل هيئة البحث الوطني الأمريكي، حالياً المعمل الذي أديره من أهم معامل شبكات الكهرباء الذكية بالمدينة، بفريق بحثي مكون من 13 طالب دكتوراه تحت إشرافي بالإضافة إلى العديد من الباحثين من طلاب الماجستير و البكالوريوس ، والحمد لله حصلت علي جوائز كثيرة تم تتويجهامؤخراً بأكبر جائزة من هيئة البحث الوطني الأمريكي " كارير " ، و شديدة التنافسية وتمنح لعدد محدود بعد كتابة مقترح بحثي يقيم بشكل دقيق للغاية من أفضل خبراء المجال.
استخدامات الطاقة البديلة وتطويع الذكاء الاصطناعي في مجال الكهرباء يشغل العالم حالياً فيما يخص مجال الطاقة ، هل من خلال مساهمتك البحثية في تطوير مشروع مترو أنفاق نيويورك .. هل أصبح الاستغناء عن الطاقة التقليدية ممكناً علي الأقل في المدى القريب ؟
للحد من مشكلة تغير المناخ لابد من تقليل الانبعاثات الناتجة عن وسائل المواصلات وعن عملية توليد الكهرباء، مما يتطلب كهربة وسائل النقل بزيادة الاعتماد على السيارات والحافلات الكهربية واستبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة جديدة ومتجددة، وأقوم حالياً و فريقي البحثي بجامعة مدينة نيويورك بالتعاون مع العديد من الهيئات من ضمنها هيئة البحث الوطني الأمريكية و مكتب بحوث الطاقة بحكومة ولاية نيويورك و شركتي الكهرباء و النقل وغيرهم من الهيئات بتنفيذ العديد من المشروعات البحثية الأساسية والتطبيقية، حيث ساهمت أبحاثنا في زيادة جاهزية شركة الكهرباء لاستيعاب مشاريع مصادر الطاقة المتجددة عن طريق تنفيذ أفكار متعلقة بتصميم و تنفيذ مشاريع تخزين الطاقة والتحكم في مصادر الطاقة المتجددة، كما ساهمت أبحاثي التطبيقية في تطوير أفكار من شأنها رفع كفاءة الطاقة لنظام مترو الأنفاق بنيويورك ، و دخلت العديد من أفكارنا بخصوص شبكات الكهرباء و مترو الأنفاق حيز التنفيذ عام ٢٠٢٢، كما ساهمت أبحاثنا في زيادة قدرة البشر على توقع الآثار المترتبة عن الكوارث الطبيعية مثل العواصف على شبكات القوى الكهربية ، وبالتالي تقليل الأضرار المترتبة عليها مثل انقطاع التيار الكهربي.
كيف تري المشروعات الأخيرة في مصر خاصة القطارات السريعة والمونوريل وأيضاً التوسعات في استخدام التكنولوجيا في إدارة مترو الأنفاق ؟
بالطبع خطوة مهمة للوصول للاستدامة ، فهي تتزامن مع خطط مصر لزيادة نسب توليد الطاقة المتجددة في المستقبل القريب، وهي بالطبع مشاريع مهمة جداً في إطار استراتيجيات التوسع العمراني.