فنون

السوبرانو العالمية فاطمة سعيد في حوار خاص: الموهبة تمثل 1% فقط من نجاح الفنان والأهم الذكاء

طفلة صغيرة كانت تسمع الأغنيات العربية القديمة لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولم تجرب نهائيًا أن تغني، ولم يكن الفن ضمن أحلامها. ولكن دراستها في المدرسة الألمانية بالقاهرة غيرت مسيرتها تمامًا؛ فهناك اكتشفت...

السوبرانو العالمية فاطمة سعيد في حوار خاص: الموهبة تمثل 1% فقط من نجاح الفنان والأهم الذكاء

طفلة صغيرة كانت تسمع الأغنيات العربية القديمة لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولم تجرب نهائيًا أن تغني، ولم يكن الفن ضمن أحلامها. ولكن دراستها في المدرسة الألمانية بالقاهرة غيرت مسيرتها تمامًا؛ فهناك اكتشفت موهبتها في واحد من أصعب أنواع الغناء، وهو الأوبرا. ومنذ أول حفل ضمن كورال المدرسة قررت أن هذه هي الحياة التي تريد أن تعيشها، ومن أجلها خاضت رحلة غربة طويلة استطاعت خلالها أن تفرض اسمها ضمن أشهر مطربات الأوبرا في العالم. بل ويكفي أن تكتب "أشهر سوبرانو شابة" على محركات البحث لتظهر لك ملايين النتائج، معظمها يحمل اسم: فاطمة سعيد.

تتذكر فاطمة قصتها مع الموسيقى، وتقول: أنا من مواليد 1991، وبدأت دروس الغناء مع الدكتورة نيفين علوبة في دار أوبرا القاهرة وعمري 14 سنة. ومن وقتها لا يوجد في حياتي سوى الغناء حتى اليوم. أسرتي كانت متحمسة جدًا لاتجاهي للغناء الكلاسيكي، لأن هذا هو نوع الموسيقى الذي كانوا يفضلونه، وذلك رغم أن عائلتي لم يكن بها موسيقيون أو فنانون. وفرق معي كثيرًا تشجيعهم لي منذ صغري، وحضورهم كل الحفلات، مما منحني ثقة بنفسي وموهبتي، كما أنهم وقفوا بجانبي عندما قررت دراسة الغناء بعد ذلك.

سألنا فاطمة: غالبًا الفتيات يحلمن في صغرهن بالغناء الرومانسي المعتاد، فلماذا اخترتِ الغناء الأوبرالي؟ فردت ببساطة: كنت أدرس في المدرسة الألمانية بالقاهرة، وحصص الموسيقى هناك كانت كلاسيكية، وجزء منها الأوبرا. وبالتالي، منذ صغري لم أتدرب في كورال المدرسة سوى على هذا النوع، وقد أعجبني جدًا، خاصةً أنه ملائم لطبقات صوتي. لكن بصراحة، الغناء الأوبرالي بالنسبة لي لم يكن اختياري، بل جاء بالصدفة.

بعد ذلك جاءت الخطوة الفاصلة في مشوار فاطمة، وهي قرار الدراسة بالخارج بجامعة هانز إيسلر للموسيقى في برلين. تقول: في البداية كنت متخيلة أن دراسة الموسيقى، كما كنت اعتدت عليها هنا في دار الأوبرا، سهلة، لكنها في الحقيقة كانت صعبة جدًا وأكبر من توقعاتي. فالقصة لم تكن مجرد غناء فقط، بل مواد دراسية كثيرة متعلقة بتاريخ الموسيقى نفسه. أيضًا المنافسة في مجال الغناء الأوبرالي أقوى بكثير من الغناء العادي؛ هنا تحتاج لإمكانات أكبر، ولا بد أن تكون محترفًا، وأي خطأ بسيط يهبط بك من سابع سماء إلى النسيان. كما أن الغناء بلغة غير لغتك الأصلية ومع أوركسترا مختلفة يصعّب الأمر، وكل ذلك لا يقارن كذلك بشعوري بالوحدة والغربة؛ فأنا سافرت إلى ألمانيا بمفردي، بينما كنت في مصر مرتبطة جدًا بأسرتي.

وتكمل فاطمة حكايتها مع الأيام، منتقلة إلى محطة أخرى صقلت كثيرًا خبرتها، وهي المنحة الدراسية التي حصلت عليها في أكاديمية ديل تياترو آلا سكالا في ميلانو. تقول: غنيت على أكبر مسارح العالم، منها قاعة ألبرت هول الملكية بلندن ودار أوبرا سيدني وأوبرا باريس، لكنني كنت سعيدة جدًا؛ لأن مسرح هذه الأكاديمية من أعرق مسارح العالم في الأوبرا، ووقف عليه أشهر وأكبر مطربي الأوبرا مثل اليونانية ماريا كالاس والإيطالي لوتشيانو بافاروتي. كان شعورًا مختلفًا لا يوصف، وأنا أول عربية تغني على هذا المسرح، وكنت فخورة بأنني سأدرس وأغني عليه لعدة سنوات. وبفضل هذا المسرح قمت بإحياء حفلات على مسارح أشهر دور الأوبرا وفي المهرجانات العالمية، في نابولي ولايبزيج وبرلين والقاهرة ومسقط وبون وتورينو ومدريد وغيرها.

وصل حديثنا بعد ذلك إلى برلين وقرار الإقامة فيها. فاطمة كانت واضحة في كشفها عن سر عدم رجوعها لمصر منذ سفرها أول مرة للدراسة، وهو ببساطة عدم وجود فرص كافية، سواء للتعلم أو الشهرة أو العمل. تقول: مطرب الأوبرا في أوروبا فرصته مختلفة تمامًا عن مصر؛ هناك فرص عمل كثيرة في مجالي، فأنا خلال حفلاتي غنيت مع عدد من الفنانين العالميين، منهم مطربة البوب بيلي إيليش، والسوبرانو ومطربة البوب روك النيوزيلندية لورد، والفريق الكوري الجنوبي "بي تي إس"، إضافة إلى السير إلتون جون.

وقد حصلت فاطمة على عدد كبير من الجوائز، فهي أصبحت أول مطربة أوبرا تحصل على جائزة الإبداع في مصر، وقد وصلت لهذه المكانة في سن صغيرة عندما كرمها الرئيس منذ 7 سنوات. تقول: كنت فخورة جدًا بهذه الجائزة، لأنها بالفعل أول مرة يتم تكريم مطربة أوبرالية في مصر.

كذلك حصلت على جوائز عالمية، أبرزها جائزة "فيرونيكا دن العالمية" في أيرلندا كأفضل سوبرانو في العالم، وقد تفوقت وقتها على منافسين من 180 دولة بصوتها المتمكن، وحصدت 3 جوائز: المطربة المفضلة للجمهور، وجائزة أفضل أداء، والجائزة الأولى للجنة التحكيم. وطوال تاريخ الجائزة لم تجمع مطربة واحدة الجوائز الثلاث. كما فازت بالمركز الأول في "مسابقة الأوبرا العالمية" في إسطنبول، والمركز الثاني في مسابقة "روبرت شومان" في ألمانيا، وتصدرت غلاف مجلة "بي بي سي ميوزيك"، وهي من كبرى المجلات العالمية في مجال الموسيقى الكلاسيكية، وكذلك جائزة "جراموفون".

سألتها: ما هي أكثر جائزة تشعرين بأنها وضعتك على طريق النجاح؟ ردت قائلة: كل جائزة يحصل عليها الفنان لها شعور مختلف. لو سألت فنانًا حصل على الأوسكار 10 مرات: ما شعوره في المرة الحادية عشرة؟ سيصف لك أحاسيس رائعة وكأنها الأهم والأبرز. فكل مسابقة شاركت بها كانت تمثل فترة معينة في حياتي، مررت خلالها بصعوبات وتحديات. فأنا لم أنافس أحدًا، ولكنني أتنافس مع نفسي لكي أكتشف بداخلي قدرات مختلفة، وهذا التحدي هو سر نجاحي، لأنه ببساطة يجعلني دائمًا في حالة بحث عن الأفضل.

منذ عدة أشهر نشرت الدكتورة مايا مرسي، رئيس المجلس القومي للمرأة، فيديو لأحد حفلات فاطمة العالمية، وكتبت تعليقًا نصه: "المصرية السوبرانو فاطمة سعيد تقف أمام الآلاف في باريس، وتقول بفخر: أنا فخورة جدًا أني مصرية.. هذه هي القوة الناعمة يا فاطمة". وفي العام الماضي فازت فاطمة بجائزة "أوبوس كلاسيك" الألمانية الرفيعة في مجال الموسيقى الكلاسيكية، وهو ما يشجعها كمطربة شابة لكي تكمل مشوارها.

ولكن، هل تخطط لإصدار ألبومات للأغنيات الشرقية العربية بعيدًا عن الغناء الأوبرالي؟ تجيب: بالتأكيد، كلما وجدت الفرصة مناسبة للغناء الشرقي سأقتنصها، كما أنني أحب الغناء في الحفلات الغنائية المعتادة، خاصة إذا كانت مزيجًا من الغناء العادي والأوبرا. والحمد لله غنيت على أكبر مسارح العالم، فأنا أول مطربة أوبرا عربية تغني في قاعة ألبرت هول الملكية بلندن ودار أوبرا سيدني وأوبرا باريس.

السوبرانو فاطمة سعيد أصدرت مؤخرًا ألبومًا اسمه "النور"، ساهم في نشر الأغاني المصرية والعربية في عدد كبير من دول العالم، فقد تضمن أغنيات لسيد درويش وفيروز، بجانب أغنيات بالفرنسية والإسبانية. وربما كثيرون لا يعرفون أن فاطمة سعيد تغني بـ6 لغات؛ فبخلاف العربية والألمانية، تعلمت كذلك الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية.

لكن ما هي الأقرب لها وتشعر بأنها تعبر عن إمكانيات صوتها بشكل أفضل؟ تقول: كل لغة لها ميزاتها وأصواتها اللحنية، والتي لا يعرفها سوى من يتحدث بها ويفهم أسرارها. مثلًا، عندما أغني باللغة الإيطالية أشعر بمميزات غير موجودة في الفرنسية، لكن أيضًا اللغة الفرنسية عند الغناء بكلماتها لها مميزات مختلفة عن الألمانية، وهكذا. وجزء من عشقي للغناء الأوبرالي هو التعمق في اللغات وتاريخها وفنونها، والطرق المختلفة التي يمكنني التعبير بها عن نفسي وما أشعر به وقت الغناء. فأنا فعلًا، دون مبالغة، أشعر براحة في الغناء بأي لغة، وليست لدي تفضيلات، والجمهور كذلك يشعر بالفن حتى ولو لم يعرف الكلمات.

فحاليًا، مثلًا، قد أغني لجمهور إسباني، لكنني أجدهم ينسجمون جدًا مع أغنية "أعطني الناي" لفيروز، ويطلبونها مني رغم عدم إتقانهم للغة العربية. لكن كل ذلك يحتاج إلى مذاكرة وجهد كبير؛ فالحكاية أكبر من مجرد صوت جميل وموسيقى رائعة وفستان شكله جميل!

في النهاية، أرادت فاطمة أن توجه نصيحة لكل فنان أو فنانة شابة في بداية الطريق، تقول: احلم، واجعل حدود حلمك السماء، حتى ولو كان الحلم غير منطقي؛ فلا أحد يعلم ماذا تخبئ له الأيام. كما أن الحلم المستحيل اليوم هو في حدود قدراتك وعمرك ومهاراتك، وبالتالي كل لحظة تمر عليك، إذا استغللتها في التخطيط والدراسة والتأهيل، فهي خطوة في طريق تحقيق هذا الحلم. ولو تمسكت بهذا الحلم وصدقته، ستحققه بالعمل والجهد. وبالمناسبة، لا يوجد شيء اسمه فنان موهوب، فهو بالضرورة ناجح؛ لا، الموهبة شيء و"الشطارة" شيء آخر، والشطارة التي أقصدها هي العمل الدائم، وتطوير الموهبة، والذكاء في إدارتها. باختصار، الموهبة تمثل 1% فقط من نجاح الفنان، والأهم هو العمل الدائم بذكاء