قصص ملهمة

رسام القفازات.. حوار حصري مع عمر حسن أشهر فنان تشكيلي في إيطاليا

في عام 1970 سافر الشاب المصري علي حسن إلى إيطاليا للبحث عن فرصة عمل بعدما أنهي درسته الجامعية، ووجد وظيفة بأحد الفنادق بوسط مدينة ميلانو، وهناك التقى بفتاة إيطالية كانت تنهي دراستها في الجامعة، وبعد فترة تزوجا وأنجبا عدة...

رسام القفازات.. حوار حصري مع عمر حسن أشهر فنان تشكيلي في إيطاليا

في عام 1970 سافر الشاب المصري علي حسن إلى إيطاليا للبحث عن فرصة عمل بعدما أنهي درسته الجامعية، ووجد وظيفة بأحد الفنادق بوسط مدينة ميلانو، وهناك التقى بفتاة إيطالية كانت تنهي دراستها في الجامعة، وبعد فترة تزوجا وأنجبا عدة أبناء أصغرهم "عمر" المولود في مارس 1987، وقد كان موهوباً منذ صغره في كل شيء.. في الدراسة والرياضة والفن، لكنهم لم يتخيلا أن تأتي شهرته العالمية من أسلوب فني غريب لم يلجأ إليه أي فنان تشكيلي من قبله.. فما هي قصته؟!

التواصل مع عمر حسن استغرق بعض الوقت، فهو في البداية كان مندهشاً من تواصل صحفي من مصر معه، فقد زار مصر عدة مرات ولكن كسائح، وهو لا يتحدث ولا كلمة واحدة بالعربية، كما إنه كان مشغولاً بالإعداد لمعرض فني كبير بالولايات المتحدة الأمريكية، وحكاية عمر حسن ملهمة بالفعل، يقول: كان من الرائع بالنسبة لي أن أكبر وسط ثقافتين.. الأب مصري والأم إيطالية، وهو ما جعلني منفتحاً منذ صغري على الآخرين، صحيح أنني لا أتحدث باللغة العربية جيدًا ولكن يمكنني فهم الكثير من كلمتها بسبب والدي.

عمر منذ صغره يعشق الملاكمة، وأصبح يشارك بالبطولات منذ أن كان عمره 14 عامًا ، كان يحلم بأن يصبح مثل محمد علي كلاي الذي كان "يرقص كالفراشة ويلدغ كالنحلة " ، يقول : منذ طفولتي وأنا شخص كثير الحركة والتفكير والتمرد علي المألوف ، وكانت الملاكمة بالنسبة لي كل شيء ، خاصة وأن قوانينها كانت تساعدني في السيطرة على شخصيتي، وكانت أحلامي كبيرة مثل أي ملاكم شاب سواء بالفوز بالبطولات في أوروبا واللعب بالأولمبياد ثم التحول للاحتراف ، وبالفعل فزت ببطولات علي مستوي إيطالي .. وبدأت أول خطوات تحقيق حلمي خلال مشاركتي في أول بطولة عالمية .. وفجأة خلال الكشف الطبي المعتاد قبل البطولة أخبرني الأطباء بإصابتي بمرض السكر .. وحسب قوانين السلامة بالملاكمة كان يتعين علي الاعتزال ، وهنا لم أجد ما أعبر به عن مشاعر الصدمة والحزن إلا قفازات الملاكمة .. هي الوحيدة التي تبقت معي من حلمي القديم ، خاصة بعد وفاة أعز أصدقائي وأنا في فترة المراهقة، فهو كان من هواة رسم الجرافيتي .. وتوفي في حادث مروع خلال طلاءه لجدران مترو ميلان ، ومنذ تلك اللحظة قررت أن أكرس حياتي كلها للفنون بأي شكل من الأشكال ، فهذا الصديق هو أول من منحني عبوة ألوان ، ولذلك استخدمت قفازات الملاكمة مع الألوان للتعبير عما بداخلي في لوحات كنت في البداية أرسمها لنفسي ، ولكن بعد الدراسة قررت تحويل الأمر لمشروع فني متكامل ، فالملاكمة علمتني المواجهة في الحياة وعدم الاستسلام ، فكنت أضع يدي بقفازات الملاكمة في الألوان ثم أطلقها على اللوحات البيضاء .. أردت أن أحافظ على إحساسي خلال مباريات الملاكمة بتوجيه يدي بقوة، ولكن من أجل الرسم وليس الضرب، وبمرور الوقت أصبحت كل لمسة لون تشبه الضربة القاضية .. لابد من توجيهها بدقة وقوة .. فأنا حالياً لا أوجه لكماتي لكي يستسلم خصمي .. بل أوجهها لكي أصنع أملاً جديداً ، وبعدما كانت دماء المنافسين تختلط بالقفازات لتوحي بنهاية الصراع .. أغمسها اليوم في الألوان الحمراء لتعني حياة جديدة ، مع كل جرعة أنسولين أحصل عليها .. أنهض بعدها لتوجيه جرعة مشاعر نحو لوحاتي باستخدام يدي لأثبت لتفسي بأنني مازلت أقف وأقاتل ، ومازلت متمسكاً بالمقولة التي كانوا يعلموها لنا ونحن ملاكمون صغار " لا تلقي بالمنشفة إلا إذا كنت على وشك الموت " .. وأنا تركت الحلبة ولكنني لم ألق المنشفة بعد ! .

عمر تخرج في كلية بريرا للفنون الجميلة في ميلانو ، وهي واحدة من أشهر أكاديميات الفنون الجميلة في إيطاليا ، وتتلمذ علي يد ألبرتو جاروتي وهو أحد رموز الفن المعاصر في إيطاليا ، وقد أحترف الفن منذ عام 2010 ، يقول : بعيداً عن الرياضة .. منذ صغري أعشق الرسم .. كنت أرسم دائمًا في كل مكان .. علي الورق واللوحات والحوائط ، في البيت والشوارع ، وربما ورثت جينات الرسم من الإرث الحضاري لمصر القديمة وروما ، لذلك كان من السهل بالنسبة لي أن أجمع بين شغفي الكبير في حياتي ، وعندما أدركت أنه لا يمكنني أن أصبح ملاكمًا محترفًا بسبب مرض السكر .. لم استسلم للصدمة ووقفت علي قدمي سريعاً ، وقررت مواصلة ممارستي للملاكمة في لوحاتي ، وكل أعمالي مستوحاة من تجارب عشتها في حياتي ، ولكني عند رسمها أراها بطريقة مختلفة ، وأنا أحب حقًا كل التفاصيل البسيطة .. النقاط والأضواء مع الطلاء بالرش ، والملاكمة بالمناسبة يعتبرها البعض لعبة عنيفة، لكني أراها رياضة منضبطة تعلمنا التعبير عن أنفسنا بشجاعة .. تماماً مثل الحياة نفسها والتي تجبرك بأن تقاتل لتعيش .. وهو نفس ما أقوم به في الرسم ، فأنا هنا أصارع الألوان التي تمثل تحدياً لي لتحويلها بدقة لما أريده .. فأنا أوجه لكماتي للألوان وليس اللوحة نفسها ، ولذلك تجدني أرسم وأنا أرتدي ملابس الملاكمة وحذاء رياضياً .. أصارع أفكاري ، كما أمارس فن النحت لكن بأسلوب خاص بي ، وبخلاف طريقة الملاكمة في الرسم .. أيضاً أمارس الرسم ببقية الأشكال التقليدية ، لكن المهم أنني أفرض شخصيتي في كل أسلوب وهو ما ظهر مثلاً في معرض مشهور نظمته بعنوان نقطة ضوء أوBreaking Throughبصالة "كونتيني" بلندن ، وطبيعي أن هذه الأشكال الفنية وجدت انتقاداً في البدايات لكن توالي الأعمال الناجحة جعل الجميع يعترف بفني ، ومن أشهر الأعمال التي أعتز بها لوحة تبلغ مساحتها نحو 250 متراً استغرق الانتهاء منها وقتاً طويلاً .

وخلال السنوات العشر الماضية شارك عمر بلوحاته وأعماله الفنية في أكبر الفعاليات التشكيلية في العالم ، بداية من معرضه الأول في في اليابان ثم معرض فنون الشوارع بلندن ، يقول : لقد عرضت في البينالي رقم 54 في البندقية ، والآن يوجد لي معرض رائع فيPalazzo le Stellineفي ميلانو بإيطاليا ، أيضًا لدي لوحات معروضة في أكبر صالات الفن في ميامي ونيويورك وسنغافورة وطوكيو ، وقد شاركت في أكثر من 50 معرضاً ولوحاتي موجودة في كل مكان يعتبر رمزاً للفنون في العالم ، كما أنني أملك ستوديو للرسم في ميلان وأنظم من خلاله ورش عمل لتعليم الأطفال الرسم ، وأتنقل بين إيطاليا ولندن ونيويورك وميامي .

عمر أيضأً كاتب وروائي ، وقد نشر سيرته الذاتية تحت عنوانPer le Stradeوهي تتضمن 11 فصلاً تعبر عن مضمونها العديد من الرسوم الخاصة به ، يقول : أنا أحب الموسيقى والقراءة كثيراً ، وكتبت قصصًا وتجارب عشتها ، وخلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا والتي عانت خلالها إيطاليا كثيراً ، ظللت بمفردي في مرسمي طوال 58 يوماً لم أشاهد فيهم إلا عمال " الديليفري " فقط ، واستغللت الوقت وأعدت ترتيب العديد من الأمور وقمت بتأليف رواية مزيج من القصص والرسومات .

في النهاية سألت عمر حسن : هل تتابع أخبار الفن التشكيلي في مصر ؟ فرد قائلاً : الحقيقة لا .. لكن يظل حلمي الأكبر هو إقامة معرض كبير لي بالقرب من الأهرامات .. ورغم سفري للكثير من دول العالم لكن تظل كل المشاريع الجميلة التي أحلم بها تبدأ من القاهرة ! .