حصلت جالا الحديدى على ليسانس الفلسفة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ثم ماجستير في الأدب الإنجليزي، كما حصلت على ماجستير في الموسيقي من جامعة ييل الأمريكية، ودرست في أكاديمية باخ الدولية في شتوتجارت وأكاديمية سافونلينا الموسيقية في فنلندا، وتقيم حالياً في ألمانيا وعملت في استوديو زيمبيروبر بمدينة دريسدن، ومنذ سنوات حصدت جائزة من أوبرا متروبوليتان وأصبحت أول مصرية يتم ترشيحها لمسابقة "مطرب العالم" من إذاعةBBCالعالمية.. كما كانت أول مصرية تؤدي دور البطولة في أوبرا كارمن على أكبر مسارح العالم، جالا لديها قصة نجاح رائعة تستحق أن نتوقف معها في السطور القادمة.
*كيف بدأت علاقتك بالفن، ومن اكتشف موهبتك؟
حكاية ربما لا يصدقها البعض لكنها الحقيقة، أمي كانت مقتنعة من خلال قراءاتها أن الجنين يتأثر بكل ما يسمعه وهو مازال في بطن أمه، لذلك كانت طوال شهور الحمل تشغل موسيقي ليل نهار، وفي المساء كانت تنام علي صوت مقطوعات عالمية من الراديو من إذاعة البرنامج الموسيقي، والغريب أنني منذ صغري كانت لدي ميول موسيقية واضحة جداً وبمجرد أن تعلمت الكلام كنت أقلد المطربين والألحان، وأمي كذلك شجعتني عندما دخلت المدرسة علي الالتحاق بالكورال والمشاركة في المسابقات المختلفة، ثم انضممت وأنا صغيرة لأوبرا القاهرة والكونسيرفتوار .
كان أول ظهور لك على المسرح الرئيسي لدار الأوبرا المصرية في سن ١٧ عاماً، وبعدها بعام واحد كنت أصغر مغنية سولويست في تاريخ دار الأوبرا، هل في ذلك التوقيت كنت تخططين بالفعل للسفر بالخارج؟
ما ذكرته صحيح ، وكان إنجازاً كبيراً لأن سن 18 عاماً صغيرة علي أن أصبح مطربة أساسية بالأوبرا، ووقتها حصلت علي الثانوية وكان السؤال الذي يراودني ماذا سأدرس، ولأنني بالفعل درست الموسيقي منذ صغري وأصبحت محترفة قررت دراسة مجال مختلف وهو الفلسفة والمسرح بالجامعة الأمريكية، وبعدما تخرجت ثم حصلت علي الماجستير الأدب الإنجليزي شعرت بأهمية السفر للخارج ، خاصة وأنني طوال فترة دراستي كنت ألتحق بكورسات في أكاديمية باخ الألمانية العالمية لفنون الأوبرا، وسافرت للحصول على الماجستير فى الغناء الأوبرالى من جامعة ييل الأمريكية والتحقت بقسم الموسيقى كأول مصرية ، وفي أثناء تواجدي بألمانيا سمعنى مدير أوبرا مدينة دريسدن واختارنى للعمل سوليست وحصلت على أول بطولة فى أوبرا ألمانى ، كأول مصرية ، وتواصلت الرحلة.
*بصراحة شديدة، هل فن الأوبرا في مصر يحظي بالشعبية الموجودة في أوروبا وأمريكا؟ وسبب سؤالي ببساطة أن كثيراً من نجوم الأوبرا المصرية قد يحصلون على الشهرة العالمية أولاً قبل مصر وهذا غريب بعض الشيء؟
بالفعل، الأوبرا قديمًا في مصر كانت لها شعبية أكبر بسبب طبيعة المجتمع؛ كان هذا هو زمنها. لكن كل شيء تغير، حتى في الأثاث أصبح الناس يفضلون “المودرن”، وهكذا في الموسيقى أيضًا؛ لم تعد الأوبرا والباليه الكلاسيكي كما كانا.
وفي أوروبا وأمريكا ما زال لفن الأوبرا شعبيته وجمهوره، كما لا ننسى أن الأوبرا أصلًا ليست فنًا مصريًا أصيلًا، وبالتالي لن تقاوم مثل الغناء الشرقي. لكن هذا لا ينفي أنني حصلت بالفعل على قدر من الشهرة هنا قبل أوروبا وأمريكا، لارتباطي دائمًا بإحياء حفل رأس السنة في الأوبرا منذ سنوات طويلة.
كما أن الوضع مختلف؛ ففي مصر مساحة الكونسيترات (العرض الفردي) كبيرة، بينما في الخارج الأصل هو الأوبرا، أي الغناء داخل عرض مسرحي موسيقي كلاسيكي قد يستغرق 3 أو 4 ساعات: غناءً وتمثيلًا وحركةً وأداءً… وهذا هو ما أعمل به حاليًا في الخارج.
*كنت أول مصرية تقدم دور كارمن علي الأوبرا على مستوى العالم ، هل كنت تسعين لهذه الفرصة ؟ وكيف جاءت فرصة الغناء لموسيقي باخ في ألمانيا ؟
كان تحديًا كبيرًا، لكن يبدو أن شيئًا ما كان يجمعني مع كارمن؛ فقد قمت برسالة ماجستير عنها، وصوتًا وشكلًا كنت بالفعل لائقة جدًا بها. أما موسيقى باخ فهي مختلفة تمامًا وتحتاج إلى تركيز كبير.لكن الحقيقة، رغم أنه إنجاز كبير، وأنا أول مطربة مصرية وعربية تقدم هذه الأوبرا في أوروبا وأمريكا، فإن هذا ليس أفضل أعمالي في رأيي. فما أفتخر به أكثر أنني أول مصرية تغني موسيقى فاجنر، العبقري الألماني صاحب المقطوعات شديدة الصعوبة، مثل "المركب الشبح" و"لوهينجرين" والرباعية الأوبرالية و"بارسيفال" وغيرها.وهو غناء صعب وقوي جدًا، ومدة العرض تصل إلى 5 أو 6 ساعات متواصلة. وفي العام الماضي قدمت عرضًا في ألمانيا لأحد أعمال فاجنر، في سابقة هي الأولى؛ لأن الألمان عادةً يتحفظون بشكل كبير على أداء مطربين أو مطربات أجانب لأوبرا فاجنر، وكان ذلك استثناءً بالفعل.
* حصلت على الجائزة التشجيعية من اوبرا متروبوليتان، ثم فزتي بجائزتي لجنة التحكيم الرئيسية في مسابقة ستيللا ماريس الدولية للاداء الصوتي، وكذلك أنت أول مصرية يتم ترشيحها لمسابقة "مغني العالم".. ما هي المعايير التي فزت بسببها بهذه الجوائز المتميزة؟
بكل تواضع، لأنني فعليًا كنت دائمًا الأولى في المشاركة بهذه الفعاليات الكبرى. علمًا بأن دار الأوبرا المصرية بالفعل تدعم كثيرًا من المطربين والمطربات، كما أنه تم ترشيحي من جهات أخرى في أوروبا.وفي مسابقة «البي بي سي» العالمية اختاروني ضمن أفضل 20 صوتًا في العالم، وكنت أمثل فيها مصر. والمعايير، في رأيي، تكمن في التوقيت الصحيح الذي تزامن مع نجاحي، بجانب التوفيق.وبالمناسبة، مؤخرًا لم أحصل على جوائز أخرى، لأنني من الأصل لا أدخل مسابقات؛ ففي أوروبا، الوصول إلى درجة معينة من الاحتراف لا يصح معه الدخول في مسابقات مهمتها الرئيسية اكتشاف المواهب ومنح الفرصة للهواة.
قدمت حفلات في دول كثيرة: أمريكا، وإيطاليا، وألمانيا، وفنلندا، وفرنسا، وبلجيكا، وبولندا، والدنمارك، وتركيا، والجزائر، والمغرب، وغيرها. من أكثر جمهور تشعرين بالفعل بأنهم يعشقون فن الأوبرا؟
الحقيقة أن كل دول أوروبا، شعوبها تتذوق فن الأوبرا بشكل عام، لكن كل هذه البلاد تميل للفنان الذي يترك جزءًا من روحه في فنه ويعرف كيف يتواصل معهم. لكن ربما تندهش لو قلت لك إن أكثر جمهور يتفاعل معي هو جمهور الأوبرا المصرية؛ لأنني مهما حاولت الوصول بصوتي لقلوب الجمهور، فلن أنجح بشكل كامل إلا مع من يشاركوني نفس الروح، حتى ولو كانوا لا يفهمون ما أقول!
أنتِ ميتزو سوبرانو، وهي طبقة صوت نسائية في الغناء الأوبرالي تختلف عن صوت السوبرانو، ما الفارق بينهما؟ أقصد لو كانت مقارنة مع الغناء العادي، هل الميتزو سوبرانو مثلًا تشبه صوت أم كلثوم، بينما السوبرانو يشبه صوت شادية أو نجاة؟
هناك فارق في ارتفاع وعمق الصوت، ولا أقصد مساحة الصوت بالضرورة، وهو ما يفرق في تكنيك الصوت ونوعه. السوبرانو صوت رفيع كأنه فتاة شابة في بداية حياتها، وبالتالي هذا يحجمها في أدوار معينة، بينما الميتزو سوبرانو أعمق وأكثر رزانة. ولذلك، زمان وأنا صغيرة، قمت بأدوار أولاد وشباب لأن خامة صوتي كانت أعمق وأعرض من سني. والمثال الذي وضعته دقيق جدًا؛ فعليًا أم كلثوم صوتها ناضج تمامًا وحاد ويُعتبر ميتزو سوبرانو، بينما السوبرانو صوت أخف مثل شادية.
يقول البعض إن الغناء الأوبرالي يُشكل ضررًا على الصوت أحيانًا عندما يغني الفنان، وهو صغير في السن، أدوارًا أكبر من حجم صوته. هل هناك تدريبات معينة للحفاظ على الصوت؟ وهل صحيح أن مطرب الأوبرا لابد أن يمارس الرياضة؟
صحيح ما قلته، لكن الفيصل هنا في طريقة التدريب منذ الصغر. ببساطة، لو طفل صغير يظل "يزعق ويصرخ" بالساعات ولفترات طويلة، فمن البديهي أن هذا يؤذي صوته. لكننا نتكلم عن فن موسيقي وتدريبات معينة للالتزام بالنغمات، مع تأهيل الصوت والحفاظ على الأحبال الصوتية. وبالفعل، مطرب الأوبرا لابد أن يكون جسديًا مثاليًا ويمارس الرياضة؛ فهي مهنة تحتاج لاحتراف كامل. فحتى تغني وتمثل لعدة ساعات—وبالمناسبة، في كثير من حفلات الأوبرا العالمية يتم كل ذلك بدون ميكروفون ووسط مئات المتفرجين—لابد أن يصل صوتك بكل تعبيراته الصحيحة لكل متفرج يجلس في آخر المسرح. إنها مهنة صعبة جدًا.
عندما يتحول بعض مطربي الأوبرا إلى غناء الأغنيات العادية الرومانسية أو الوطنية، يشعر البعض بأن الصوت تغير بعض الشيء. هل تعتقدين أن مطربة الأوبرا لا يجب أن تؤدي إلا أعمال الأوبرا فقط؟
مبدئيًا، القاعدة هي أن الغناء الجميل والصوت الجيد لا يتغير، سواء كان عبر فنون الأوبرا أو حتى الغناء الشعبي، وبالتالي العكس أيضًا؛ بمعنى أن المطربة العادية، لو صوتها جميل فعلًا وله شخصية، فهي تصلح بشكل ما لأداء أدوار أوبرالية. فمثلًا، أم كلثوم—تخيل لو كانت غنت بالإنجليزية—ستشعر بالاختلاف لأنك لم تعتدها، لكن المستمع الإنجليزي لابد أن يشعر بوضوح أن هذا الصوت جميل ومختلف وثابت وله شخصية. المهم أن تغني بشكل صحيح. ولو شعرت بأن الصوت تغير، فهذا ليس لأنه ليس جميلًا، لكن هناك خطأ في تكنيك الصوت تسبب في ضرر له. وعمومًا، كل مطرب وله قراره، وأنا شخصيًا أحب أن أغني أوبرا وغربي فقط، لأن هذا ما أشعر به، والمهم ما يقبله الجمهور.
ما هي اللغات التي تغنين بها؟ وهل صحيح أنك تغنين أحيانًا بلغات لا تعرفينها أصلًا؟
كل اللغات التي يتكلمها البشر وألفوا بها أوبريتات أغنيها. ما أتذكره أنني غنيت بالألماني، والبولندي، والروسي، والتشيكي، والإيطالي، والفرنسي، والإنجليزي، والعربي، ولغات أخرى. وهناك أوبريتات تتم كتابتها بالصيني والياباني، ومعظم هذه اللغات لا أعرفها. وهنا تظهر صعوبة المهنة؛ لأنك تستعين بمدرب موسيقي من أهل هذا البلد، تتعلم منه اللغة ليس بالفهم والنطق فقط، بل في طريقة الغناء والتعبير. وجزء من عمل مطرب الأوبرا أن يفهم كل كلمة ينطق بها بصوت عالٍ، لا يفقد مع حركاته حرفًا واحدًا قد يغير المعنى. والحرفة هنا أنك بهذا الصوت العالي، بلغة لا تتقنها، لابد أن توصل الإحساس الفني للجميع.
أخيرًا، هل ما زال هناك حلم ما، أو شخصية تودين تجسيدها في المستقبل؟
أوبرا "كارمن" كانت حلمًا، وأشعر بأنها تتطور معي، وفاجنر بدأت مشواره الصعب. وخطوتي القادمة ستكون مع الغناء الدرامي الأوبرالي في أعمال شتراوس. وهناك فروق بين أوبرا القاهرة وأوبرا ألمانيا؛ فهنا، لتقديم عرض لأوبرا "عايدة"، يتم تدريب العازفين والمغنين على العرض لمدة شهر كامل، ثم تقديمه خلال أيام الشهر. بينما في أوبرا ألمانيا يُقدم على المسرح يوميًا عرض مختلف؛ فخلال أسبوع واحد أقدم مثلًا "كارمن" و"عايدة" و"هانزل وجريتل"، وكل أوبرا بدور ولغة مختلفة. وبصراحة شديدة، الحمد لله، كل الأحلام تحققت، سواء داخل مصر أو خارجها.