حول العالم

مشوار علي عبد العظيم من كشري حمادة بندق إلى باليه كسارة البندق

علي عبد العظيم .. شاب مصري كان يعيش حياة بسيطة وعادية حتى يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة ، كان والده يصرخ وهو يقول له " مبروك .. حصلت علي 97.5 % .. ألف مبروك يا دكتور علي " ، ولكيلا يكسر فرحة والده بكلمة دكتور هذه – وكم...

مشوار علي عبد العظيم من كشري حمادة بندق إلى باليه كسارة البندق

علي عبد العظيم .. شاب مصري كان يعيش حياة بسيطة وعادية حتى يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة ، كان والده يصرخ وهو يقول له " مبروك .. حصلت علي 97.5 % .. ألف مبروك يا دكتور علي " ، ولكيلا يكسر فرحة والده بكلمة دكتور هذه – وكما يقول - اضطر لقضاء 3 سنوات في كلية طب الأسنان ، حاول أن يقنع نفسه كثيراً .. لكن في النهاية توصل لنتيجة أدهشت كل من حوله .. وكسب الرهان الذي اعتقد الكثيرون أنه خاسر .

المشهد الأول

علي ولد في حي الوايلي لأسرة متوسطة ، تعليمه كله بالمدارس الحكومية ، والده يعمل مدرس لغة عربية ، وكان حلمه أن يحصل ابنه علي مجموع كبير في الثانوية العامة ليتحقق حلمه ويلتحق بكلية الطب ، يقول علي : أسرتي كانت تريد أن تضمن لي مستقبلاً ومركزاً اجتماعياً ، خاصة بعد مجموعي الكبير ، وبالفعل التحقت بكلية طب أسنان جامعة عين شمس ، لكن بصراحة منذ صغري كنت أشعر بأن الوظيفة التقليدية مهما كانت مرموقة ليست ضماناً للمستقبل ، بل ربما أكون تعيساً فيها ، كنت أقول لأصحابي أنني أحلم بالعمل في البيزنس .. وكان ردهم " مفيش حد بيشتغل في البيزنس إلا لو أهله كانوا كده ، و مفيش إلا واحد في المائة فقط ينجحون من غير واسطة أو ثروة " ، وأنا لم أكن أحلم بتغيير العالم .. لكن علي الأقل حاولت أن أكون ضمن الواحد في المائة .

المشهد الثاني

علي لم يكن مقتنعاً بدراسته في طب الأسنان .. وبدأ يشغل وقته بالسفر من خلال منح دراسية لمدة أسبوع لحضور مؤتمرات أو فعاليات تبادل طلابي ، يقول : بدأ العالم يتسع في عيني ، وشعرت بأن الطب ليس طوق النجاة الوحيد كما كانت تعتقد أسرتي ، واكتشفت أن العمل العام والتطوعي يمكن من خلاله فتح مجالات عمل وتدريب وتعليم كثيرة ، ورغم ذلك نجحت في عامي الأول بالكلية ، وفي العام الثاني أسست مشروعاً مع أصدقاء لي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتمويل بسيط جداً كان هدفه خلق مجتمع متكامل من المراهقين والشباب لتبادل الخبرات العلمية والتدريبية ، وتقدمنا بهذا المشروع في مسابقة كبيرة علي مستوى إفريقيا ، وكسبنا جائزة من جنوب إفريقيا شملت تدريباً في أكاديمية كبيرة هناك بالتعاون مع ماستركارد العالمية ، وهذه فعلاً كانت نقطة التحول في حياتي ، فلحظة نزولي علي سلم الطائرة العائدة من جوهانسبرج في عام 2017 أيقنت أن مستقبلي هو البيزنس ، ورغم ذلك نجحت في السنة الثانية بطب الأسنان ، لكن في السنة الثالثة سألت نفسي : أنا بعمل في نفسي ليه كده ؟ وقررت البحث عن حلمي حتى ولو عارضني الجميع ، وبالطبع كانت الخطوة الأولى هي دراسة البيزنس .. لكن الجامعات الخاصة تحتاج لأموال كبيرة ، وبالتالي كان الحل الوحيد هو السفر .

المشهد الثالث

في البداية علي حاول السفر لإسبانيا لأنه زارها وأعجبته ، أو إيطاليا لأنه يتحدث لغتها بشكل معقول بجانب الإنجليزية ، وقدم للحصول علي منح دراسية في عدد كبير من الجامعات ، وساعده صديق له سبق وخاض التجربة .. خاصة وأن إعداد السيرة الذاتية والخبرات مهم جداً في ترجيح طالب عن الآخر ، لكنه فوجيء بأن الجامعة الوحيدة التي قبلته في ألمانيا ، وهناك كان يدرس مزيجاً بين الهندسة والطب لتخصصه في الهندسة الوراثية والجينات ، يقول : رغم أنني كنت متفوقاً في الثانوية العامة ودرست نحو 3 سنوات في كلية الطب .. لكنني اكتشفت بالتعامل اليومي بعد السفر أن لغتي الإنجليزية كانت متواضعة جداً ، وبالتالي أول سنة كانت معاناة كبيرة في الدراسة لأن حتى المصطلحات العلمية كانت لها مسميات مختلفة عن التي قمنا بدراستها ، بخلاف طبعاً الشعور بالغربة والحياة مع شعب مختلف بثقافته وعاداته ، وأيضاً ضيق أهلي من قراري نفسه وقلة الدعم المادي ، ولكنني كنت أعرف طريقي وأنه لا بديل عن النجاح ، وساعدني أن تقييم الطلاب هناك ليس فقط عن طريق الامتحانات مثل عندنا .. فهناك أنشطة دائمة طوال السنة تجعل من الدراسة أسلوب حياة ممتع ، كنت أسكن بعيدا عن الجامعة .. وأيضاً أعمل في عدة وظائف ، لكن لم يكن عندي أي بديل سوى النجاح ، ولا أنسى يوماً حزيناً .. كنت في المطار الساعة 3 فجراً أقوم بتوصيل صديق لي وفوجئت بشقيقتي تكلمني و تخبرني بأن والدي توفي, القدر لم يمهلني الوقت لكي أسعده .. وعدت لمصر قبل امتحاناتي بأسابيع ، ورسبت في مادة وكانت أول مرة في حياتي أتعرض لهذا الموقف ، لكن الحياة استمرت رغم الأحزان وعدت وذاكرت من جديد .

المشهد الرابع

3 سنوات ونصف تقريباً قضاها علي في جامعته الألمانية حتى تخرج فيها ، لكن المدهش رغم تفوقه أنه لم يكن منتظماً في المحاضرات .. والسبب هو عدم وجوده في ألمانيا أصلاً لفترات طويلة ، يقول : حياتي كانت عبارة عن عمل في وظائف عديدة ثم ادخار بعض المال .. وبعدها تحقيق حلمي بالانطلاق والسفر .. خلال نحو 45 شهراً زرت أكثر من 50 دولة .. الكثير منها في أوروبا ، وفي كل رحلة كنت دائماً أتذكر أيام زمان .. لطالما كنت أحلم بالسفر وأنا في ميكروباص الوايلي .. وكان يقطع الحلم دائماً أحد الركاب وهو يسألني " دفعت الأجرة ؟ " اليوم تحقق الحلم وبدلأً من الميكروباص أصبح أركب طائرة متجهة في رحلة سياحية إلي سويسرا أو النمسا ، وبدلاً من خروجة كشري حمادة بندق أصبحت أذهب لمشاهدة أوبرا كسارة البندق في مسارح إيطاليا ، والسفر بالمناسبة في أوروبا سهل جداً .. أنا كنت أسافر بالطائرة من دولة لأخري بتذكرة قيمتها 20 يورو فقط ، وأيضاً كنت أسافر لحضور مؤتمرات في الصين وفيتنام والمغرب والبرتغال ، وحتي عملي كنت أستمر فيه " أونلاين " خلال رحلاتي ، ومنذ سنوات أنشأت صفحة علي فيس بوك " علي فين " أوثق فيها بالفيديو والصور رحلاتي

المشهد الخامس

وأخيراً .. تخرج علي في الجامعة ، بعدها عمل في مجال دراسته لنحو 10 أشهر ، ثم أتجه لحلمه القديم وهو " البيزنس " وأصبح رائد أعمال ولديه شركة ناشئة ، وهو يرى أن مفهوم " الشغف " أحياناً يتم فهمه بشكل خاطيء ، وطبيعي – حسب رأيه – أن يشعر الشاب بأنه لا يعرف ماذا يريد ، ولكن المهم أن يعمل ويبدأ الرحلة .. وخلال المشوار سيكتشف بنفسه طريقه الصحيح ، يقول : في أوروبا الأطفال منذ صغرهم يعلموهم " الثقافة المالية " .. أي كيف يمكنك كسب المال ، وكيف يمكنك المحافظة عليه وتنميته بشكل يفيدك ويفيد المجتمع ، ونصيحتي لكل شاب يفكر في السفر .. تعلم لغات لأن هذا سيفرق معك كثيرا ، ولو كنت لا تشعر بالسعادة في مكانك .. لازم تغيره .. وأتحرك من غير ما تضيع وقت ، بالمناسبة .. أنا فخور بشجاعتي لأنني تركت دراسة الطب بعد 3 سنوات ، وربما تندهش إذا قلت لك أنني أحب طب أسنان جدا .. لكنها باختصار ليست لي .